فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 160

فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدر عليه الضلالة، وذكر العلم إذ هو الكاشف المبين لحقائق الأمور، ووضع الشيء في مواضعه، وإعطاء الخير من يستحقه ومنعه من لا يستحقه، فإن هذا لا يصح بدون العلم؛ فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه، وهو سبحانه كثيرًا ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه أضل الكافر؛ كما قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] .

والله سبحانه وتعالى قد علم قبل أن يخلق عباده أحوالهم، وما هم عاملون، وما هم إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه، وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه، فاستحقوا المدح والذم، والثواب والعقاب، بما قاموا به من الأفعال والصفات المطابقة للعلم السابق، ولم يكونوا يستحقون ذلك، وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه إعذارًا إليهم، وإقامة للحجة عليهم؛ لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟! فلما أظهر علمه فيهم بأفعالهم جعل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار، وكما ابتلاهم بأمره ونهيه، ابتلاهم بما زين لهم في الدنيا، وبما كتب فيها من الشهوات، فذلك ابتلاء بشرعه وأمره، وهذا ابتلاء بقضائه وقدره؛ قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7] ، وقال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] ، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان: 20] ) [1] .

(و)الركن الثاني: الإيمان بكتابة الله للمقادير:

(أ) قال تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] ، والمقصود به اللوح المحفوظ، وهو"أم الكتاب"، وهو"الذِّكر"الذي كتب الله فيه كل شيء، وهذا يتضمن كتابة الأعمال قبل أن يعملوها، والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها، وحفظه لها، والإحاطة بعددها، وإثباتها فيه.

(1) شفعاء العليل (1/ 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت