إشراقها ... ومن المؤكد أنه من مصلحتنا ألا يذهب المغاربة للبحث عن هذا النوع من التعليم الإسلامي العالي في الخارج، كالجامع المشهور، جمع الأزهر بالقاهرة." [1] "
وقد حدد السيد مارتي موقف فرنسا من التعليم الأصيل بالمغرب في كتابه (مغرب الغد) الصادر عام 1925 م:"إنه على الرغم من أن القرويين تجتاز أزمة خانقة، فإنها لن تموت، بل لابد أن تتطور ذاتيا بتأثير الأفكار الواردة من الشرق، وفي هذه الحالة سينقلب الأمر ضد الحماية، وتصبح عاجزة عن التحكم في الأحداث. ولذلك، يجب أن نعمل على تجديد القرويين؛ لأنه إذا لم نفعل ذلك نحن، فإن هذا التجديد الذي تفرضه الظروف سيتم بدوننا وضدنا."ثم، يضيف:"إن تجديد القرويين سيمكننا من الاحتفاظ في المغرب بأولئك الشبان النازحين من عائلات مرموقة، بدل تركهم يذهبون إلى الشرق لتلقي العلم الذي ستحرمهم منه القرويين في حالة عدم تجديدها". ثم يتساءل:"ماذا يمكن أن يأتي به هؤلاء الشبان من الشرق؟"ألا يعودون بميول إنجليزية أو بروح النهضة الإسلامية والتعصب الوطني.
ومن هنا، يتضح أن هذه التدابير المختلفة المقترحة من أجل تجديد القرويين، والخاضعة لمراقبة فرنسية دقيقة، ليست أبدا تدابير ثورية، إنها لاتستهدف غير بعث الحياة القديمة نفسها التي كانت لجامعة القرويين، ولكن بصيغة جديدة، إنها تدابير ستمكننا من توجيه التطور الداخلي لهذه الجامعة، وهو التطور الذي بدأ يعلن عن نفسه منذ الآن. إن المثل القائل:"لاتحرك من لايحرك ساكنا"، هو بكل تأكيد من أحسن المبادئ السياسية. ولكن عندما يتململ النائم، ويهدد بالاستيقاظ، فإن الحكمة تقتضي، ولاشك، ألا يترك الإنسان نفسه يفاجأ بالأحداث." [2] "
يتبين لنا، من خلال هذا النص، أن الإقامة الفرنسية كانت تخاف من ترك جامع القرويين بدون إصلاح شكلي؛ لأنها تتخوف من الآثار الثورية الوافدة من الشرق. ويهدد هذا
(1) - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:19.
(2) - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:20.