فما كل من قال ما قلت مسلم ... ولكن بأشراطٍ هنالك تذكر
مباينة الكفار في كل موطن ... بذا جاءنا النص الصحيح المقرر
وتكفيرهم جهرًا وتسفيه رأيهم ... وتضليلهم فيما أتوه وأظهروا
وتصدعُ بالتوحيد بين ظهورهم ... وتدعوهمو سرًا لذاك وتجهرُ
فهذا هو الدين الحنيفى والهدى ... وملة إبراهيم لو كنت تشعرُ
ـ أيها الإخوة! الأصل الثالث من أصول الشرك اتخاذ الأنداد في التحاكم إلى غير الله.
إن من عبادة الله طاعته والانقياد له في جانب التشريع فيفرد الموحد ربه بالطاعة في التحليل والتحريم ولا يسمع لقول من خالفه لأنه لا يطاع في ذلك إلا الله وكذا رسوله وطاعة الرسول تبع لطاعة الله ولذلك قال سبحانه عن اليهود والنصارى:"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) " [التوبة: 31] ، والأحبار والرهبان هم علماء الفريقين، فذكر الله أنهم اتخذوهم أربابًا من دون الله، والسؤال بأي شيء اتخذوهم أربابا من دون الله؟
والجواب: فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك لعدى بن حاتم الطائي لما جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقرأ عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قال عدي -وكان نصرانيًّا- يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمون؟ قال: بلى -يعني يفعلون ونفعل- قال -صلى الله عليه وسلم-: أليسوا يحلون ما حرم الله فتحلون؟ قال: بلى قال:"فتلك عبادتهم". [1]
فمعنى:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله"أنهم أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فدل هذا على أن من أطاع مخلوقًا في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا يعبده من دون الله، وهذا ما يسميه العلماء بشرك الطاعة، ولهذا قال -تعالى- ـ يعلم المؤمنين أن لا يسمعوا لكلام المشركين في تحليلهم ما حرم الله من استباحة الميتة قال -تعالى-:"وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ".
(1) أخرجه الترمذي (3094) ، وغيره، وهو في الصحيحة (3293) .