فمن مقتضيات كلمة التوحيد - أيها الإخوة - أن لا يطاع إلا الله في التشريع ولهذا قرع الله المشركين فقال:"أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ"، فالتشريع حق الله -سبحانه وتعالى- لا يجوز أن يطاع فيه غير الرسل، فمن أطاع أحدًا من المخلوقين في التشريع فيكون قد اتخذه شريكًا لله -عز وجل-.
أيها الإخوة وبعد فما هو الدافع القوي الذي يدفع الإنسان ويحمله على طاعة الله وحده وعبادته وحده وطاعته -سبحانه وتعالى- فيما أحل وحرم، وقصر الطاعة في ذلك عليه سبحانه وحده، والتبرؤ مما سوى الله من الأنداد والشركاء؟
وجواب هذا السؤال الخطير بعد جلسة الاستراحة إن شاء الله أسأل الله أن يوفقنا إلى طاعته وأن يورثنا الفردوس الأعلى من جنته.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد فيا أيها الإخوة رابعًا: من أصول الشرك: اتخاذ الأنداد من دون الله في التعظيم والمحبة
إن الدافع القوي الذي يدفع الإنسان ويحمله على طاعة الله وحده وعبادته وحده والتبرؤ مما سوى الله من الأنداد والشركاء وطاعته -سبحانه وتعالى- فيما أحل وحرم وقصر الطاعة في ذلك عليه سبحانه وحده، الدافع إلى ذلك والحامل عليه هو حب الله -تعالى-، فالمؤمنون يحبون الله محبة تفوق كل شيء ويحبون مراداته ومحابه أكثر من أي شيء، وهم أكثر محبة لله من محبة أصحاب الشرك لشركائهم من الأصنام والآلهة المزعومة قال سبحانه:"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) " [البقرة: 165] ، وهذا من تمام توحيد المؤمنين وهو أيضًا أصل شرك المشركين، أن المؤمنين أخلصوا المحبة لله وأن المشركين أحبوا سوى الله معه محبة عبادة وتذلل فلما فعلوا ذلك صاروا مشركين، ذلك لأن التوحيد لا يصح إلا بإخلاص المحبة لله وأن لا يحب معه غيره محبة عبادة بل يفرد العبد الله جل وعلا بالمحبة ولا يحب معه غيره محبة العبادة، ولا تفهمن أخي الحبيب اللبيب أن محبة غير الله حرام على الإطلاق بل المحبة المقصودة كما قلت المحبة التي هي التعبد والطاعة والتذلل، أما المحبة التي هي الميل القلبي إلى مثل الأولاد والزوجة والخلق وما سوى ذلك فلا وإن كان يطلب من المؤمن طلب وجوب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء حتى من هؤلاء بل من نفسه التي بين جنبيه كما قال -تعالى-:"قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ"