فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 675

المسائل من أفرادها، وإنما الشأن أنه إذا وضح الدليل، وأبينت الحجة، فيجب الرجوع إليها والتزامها، والجاهل قد يعذر، كما عُذر أولئك الصحابة في قولهم:"اجعل لنا ذات أنواط"، وغيرهم من العلماء أولى باحتمال أن يخفى عليهم بعض المسائل ولو في التوحيد والشرك.

ثالثًا: كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بقول حكاه حاك مستحسنًا له، والله سبحانه يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: 63] .

قال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله -تعالى- يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) ، ثم يقول: الإمام أتدري ما الفتنة؟.

الفتنة: الشرك لعله إذا رَدَّ بعضَ قولِه أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. [1]

فطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خيرَ هذه الأمة أبا بكر وعمر، فالأمر كما قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر. [2]

فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس الذين يعارضون السنة الثابتة، والحجة الواضحة بقول أعرابي مجهول في قصة العتبى الضعيفة المنكرة.

إن السنة في قلوب محبيها أعظم وأغلى من تلك الحجج المتهافتة، والمفاهيم البدعية السقيمة، تلك المفاهيم المبنية على المنامات والمنكرات، فاعجب لهذا، وجرد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذار ثم حذار من أن ترد الأحاديث الصحيحة وتؤمن بالأخبار الباطلة الواهية، فيوشك من فعل ذلك أن يقع في قلبه فتنة فيهلك.

رابعًا: ما من عالم إلا ويرد عليه في مسائل اختارها إما عن رأي، أو عن ضعف حجة، وهم معذورون قبل إيضاح المحجة بدلائلها، ولو تتبع الناس شذوذات المجتهدين ورخصهم، لخرجوا عن دين الإسلام إلى دين آخر، كما قيل: من تتبع الرخص تزندق، ولو أراد مبتغ الفساد والعدول عن الصراط أن يتخذ له من رخصهم سلمًا يرتقي به إلى شهواته لكان الواجب على الحاكم قمعه وصده وتعزيره، كما هو مشهور في فقه الأئمة الأربعة وغيرهم.

وما ذكر ففيه أن من أحال لتبرير جرمه على قول عالم، عُلم خطؤه فيه أنه يقبل منه ولا يؤخذ بالعتاب. [3]

(1) أخرجه ابن بطة في «الإبانة الكبرى" (97) ."

(2) أخرجه أحمد (3121) .

(3) هذه مفاهيمنا (ص 76) ، نقلًا عن تحقيق: سامي بن محمد سلامة لتفسير ابن كثير، انظر: (2/ 348) ، دار طيبة للنشر والتوزيع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت