فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 675

فيفهمون من هذا الحديث أن توسل عمر -رضي الله عنه- إنما كان بجاه العباس رضي الله عنه، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كأنه مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدّعون.

وأما سبب عدول عمر -رضي الله عنه- عن التوسل بالرسول - بزعمهم - وتوسله بدلًا منه بالعباس رضي الله عنه، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.

والجواب: إن فهمهم هذا خاطئ، وتفسيرهم هذا مردود فليس المعنى كما فهموه: كنا نتوسل بجاه نبينا، وإنا نتوسل إليك بجاه عم نبينا، إنما المعنى: كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا، وإنا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا على رأينا نحن.

وإذا لجأنا إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي فهل يا ترى كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قبع كل منهم في داره، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله، ثم دعوا ربهم قائلين: اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث. مثلًا، وهذا لا وجود له إطلاقًا في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل الصحابة رضوان الله -تعالى- عليهم، أم أنهم كانوا يأتون النبي - صلى الله عليه وسلم- ذاته فعلًا، ويطلبون منه أن يدعو الله -تعالى- لهم، فيحقق طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟ ما الذي دلت عليه الآيات والأحاديث والسيرة -أيها الإخوة-؟ الواضح من هذا كله أنهم إنما كانوا إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله -تعالى- بدعاء الرسول الكريم ليس غير.

ويرشد إلى ذلك قوله -تبارك وتعالى-: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا [النساء:64] .

ومن أمثلة ذلك ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالت: شكا الناس إلى رسول الله قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه. قالت: فخرج رسول الله حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت