مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله. [1]
فهذه الواقعة وأمثالها مما وقع زمن النبي وزمن أصحابه الكرام رضوان الله عليهم تُبين بما لا يقبل الجدال أو المماراة أن التوسل بالنبي أو بالصالحين الذي كان عليه السلف الصالح هو مجيء المتوسِّل إلى المتوسَّل به، وعرضه حاله له، وطلبه منه أن يدعو له الله سبحانه، ليحقق طلبه، فيستجيب هذا له، ويستجيب من ثم الله -سبحانه وتعالى-.
أيها الإخوة: ولقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر المذكور في قصة التوسل وقصده، إذ نقلت دعاء العباس -رضي الله عنه- استجابة لطلب عمر رضي الله عنه، فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني -رحمه الله- في"الفتح" [2] حيث قال: قد بين الزبير بن بكار في"الأنساب"صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس.
وواضح في هذا الحديث: أن التوسل بدعاء العباس -رضي الله عنه- لا بذاته كما بينه الزبير بن بكار وغيره، وفي هذا رد واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس، فيدعو بعد عمر دعاءً جديدًا.
ثانيًا: إن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا في حياته، وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس، ومما لا شك فيه أن التوسليْن من نوع واحد: توسلهم بالرسول وتوسلهم بالعباس، وإذ تبين أن توسلهم به- صلى الله عليه وسلم- إنما كان توسلًا بدعائه فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه أيضًا، بضرورة أن التوسليْن من نوع واحد.
إذا تبين هذا: علمنا أن قوله كنا نتوسل إليك بنبينا، أي بدعائه، وبذا نعلم أن التوسل الذي حدث من عمر إلى العباس أنه طلب من العباس أن يدعو الله أن يسقي الناس فدعا العباس وهذا لا يدل على التوسل بذوات الصالحين وبهذا يسقط الاستدلال بهذا الأثر أيضًا.
(1) أخرجه أبو داود (1173) والطحاوي (1/ 192) والبيهقي (3/ 349) والحاكم أيضا (1/ 328) ، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (3/ 136) .
(2) "الفتح"3/ 150.