فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 675

رابعًا: حديث الضرير: يرون أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي- صلى الله عليه وسلم- أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.

وحديث الضرير هو ما أخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير، وفي رواية: وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ [وشفّعني فيه] . قال: ففعل الرجل فبرأ. [1]

يقولون: فهذا دليل وحجة على جواز التوسل بذات الرسول- صلى الله عليه وسلم- والجواب: إن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل بالذات، بل هو دليل التوسل المشروع، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه صلى الله عليه وسلم وليس بجاهه وذاته.

والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:

أولًا: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- ليدعو له، وذلك قوله: ادعُ الله أن يعافيني فهو توسل إلى الله -تعالى- بدعائه، لأنه يعلم أن دعاءه أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلًا: اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني، وتجعلني بصيرًا. ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم المتوسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له ها هو ذا قد فعل فأتى رسول الله ليدعو له.

ثانيًا: أن النبي وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله:

إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهو خير لك. وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه في الحديث الذي أخرجه البخاري عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ربه -تبارك وتعالى- أنه قال: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه - أي عينيه - فصبر، عوضته منهما الجنة. [2]

(1) أخرجه الترمذي (3578) ، وأحمد (4/ 138) وابن ماجه (1385) ، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (1/ 519) .

(2) أخرجه البخاري (5653) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت