فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 675

ثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: فادع فهذا يقتضي أن الرسول دعا له، لأنه خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي - صلى الله عليه وسلم- الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله -تعالى- دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله -سبحانه وتعالى- يقدمها بين يدي دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم- له، وهي تدخل في قوله -تعالى-: وابتغوا إليه الوسيلة كما سبق.

وهكذا فلم يكتف الرسول - صلى الله عليه وسلم- بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها طاعة لله -سبحانه وتعالى- وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملًا من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله -سبحانه وتعالى-، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء - كما هو ظاهر - وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.

ولذلك فإن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك أخرجه المصنفون في"دلائل النبوة"كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي فقول الأعمى في دعائه: اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله -تعالى-:"وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا". [يوسف: 82] أي: أهلَ القرية وأصحابَ العير.

هذا ولا بد من بيان ناحية هامة تتعلق بهذا الموضوع، وهي أننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم، كلا ثم كلا، فنحن ولله الحمد من أشد الناس تقديرًا لرسول الله، وأكثرهم حبًا له، واعترافًا بفضله. ونحن كذلك من أعرف الناس بأقدار الصالحين من الأولين والآخرين بما عرفنا الله في كتابه وما عرفنا رسوله في سنته نسأل الله أن يحشرنا مع نبيه والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت