فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 675

وإن ما أخذه المشركون قديمًا من أصنامهم هو عين ما سيأخذه القبوريون والمتمسحون حديثًا بالأضرحة تبركًا ورغبة في الخير، فصنيع كصنيع ونتيجة كنتيجة.

فالتبرك بالقبور والأضرحة مردود كله على أصحابه ولم لا، وقد رد النبي -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه لما رآهم التمسوا البركة فيما ليس سببأ شرعيًّا لالتماسها وحصولها وذلك هو الذي يلتمسه اليوم المتبركون بالقبور من البركة وهي ليست سببًا شرعيًّا لحصول البركة.

روى الترمذي بسند صحيح عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل لموسى:"اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ"، لتركبن سنن من كان قبلكم) . [1]

فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أغلظ على أصحابه واشتد نكيره عليهم وأكبر ما قالوه وأعظمه أن يخرج منهم وبين لهم أن هذه سبيل اليهود والنصارى وأنهم شابهوا اليهود في طلبهم ذاك وكان الأجدر بهم ألا يقعوا في ذلك لأنه لا بركة تلتمس مما لم يجعله الشرع سببًا لها، ولا شك أن هؤلاء الطالبين ليسوا كبار الصحابة ولا الذين رباهم النبي -صلى الله عليه وسلم، بل هم كما قال راوي الحديث: حدثاء عهد بشرك أو بكفر وهم مسلمة الفتح.

فمثل هذا يقال في كل من تبرك بما لم يجعله الشرع المطهر سببًا للبركة وإنما الدافع إليه الهوى والشيطان والعقل والنفس الأمارة بالسوء.

فالله -تعالى- لم يجعل الأحجار والأشجار والقبور والأضرحة سببًا للبركة وهي لا تقدر على منح البركة طلابها فالشيء من الأشياء لا يخرج البركة ولا يخلقها ولا يوجدها من تلقاء نفسه وإنما الذي يوجد البركة والذي يخلقها هو الله رب العالمين وهو مسبب الأسباب الكريم الوهاب جل في علاه، وبإرادته ومشيئته يجعل في شيء البركة ولا يجعلها في آخر فعلى العبد أن يلزم غرز الشرع الذي رسم وخطى الشرع التي قدر ولا يمشي مع هواه فإنه يضله.

وصدق ربي إذ يقول:"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: 26] ".

(1) أخرجه أحمد (5/ 218) ، والنسائي في السنن الكبرى (11185) ، والترمذي (2180) ، وصححه الألباني في ظلال

الجنة (76) ، المشكاة (5369) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت