فالتبرك بالأحجار والأشجار ومثله التبرك بالأضرحة والقبور والجدران ممنوع وحرام، ومثله التبرك الموجود في بعض الناس هذه الأيام وهو التبرك بآثار الصالحين كشرب المتبقي من شرابهم على سبيل التبرك، أو التماس عرقهم أو منديلهم، أو التمسح بهم، أو أن يحمل الرجل مولوده إلى صالح ليحنكه بتمرة حتى يكون ريق الصالح أول ما يدخل في فمه وهذا ممنوع كله لا يجوز بحال، لأن الناس قاسوا أفعالهم هذه بالصالحين على أفعال الصحابة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهيهات ففرق كبير بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين غيره مهما كان فضله فهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام فقط ولهذا لم يفعل الصحابة هذا مع أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي مثلًا.
ذلك لأن البركة في ذات النبي -صلى الله عليه وسلم- فحسب وخاصة به عليه الصلاة والسلام ليست لغيره.
فلا يتبرك بذوات الصالحين قياسًا على النبي، لأنه لا يصح، ونحن لا ننفي بذلك التبرك بالصالحين كله.
فهناك تبرك جائز بالصالحين ألا وهو التبرك بالعمل وذلك يكون بالاقتداء بهم في صلاحهم وتقواهم وورعهم وهداهم وعبادتهم والاستفادة من علمهم، فهذا هو المطلوب شرعًا وقد حض الشرع الكريم عليه كما قال ربنا -سبحانه وتعالى- في كتابه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ"الآية"الممتحنة/4"."
وقال سبحانه:"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ"الممتحنة / 60.
وهكذا فالاقتداء بهم مستحب بنص القرآن الكريم وكذا بالسنة كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر". [1]
وكذا في حديث العرباض بن سارية:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ". [2]
وهناك أيضًا من التبرك الجائز بالصالحين مجالستهم ومصاحبتهم والانضواء في مجالس علمهم فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم كما في الحديث الذي أخرجه البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِى الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِى قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ."
(1) أخرجه الترمذي 3662، وابن ماجة (97) وصححه الألباني فيهما.
(2) أخرجه ابن ماجه (43) ، وأحمد (4/ 126) ، وصححه الألباني"الصحيحة"2/ 648.