وروى ابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال الله -عز وجل-:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك". [1]
ومن هنا فلابد أن يكون العامل مخلصًا كل الإخلاص بعيدًا عن الشرك كل البعد، ينبغي أن يكون هذا شأن كل مسلم، غير أننا نرى من إخواننا المسلمين من يُلقي بنفسه في أودية الشرك المهلكة بيده حين يذهب فيعمل عملًا هو عبادة لله خالصة لا يصح صرفها لغيره فيصرف هذا الأخ الطيب عبادته تلك لغير الله وذلك في صور شتى، من هذه الصور: صورة ذلك الرجل الذي حمل على سيارته خروفًا سمينًا أو بقرة أو جاموسة مليحة وراح بها يذبحها عند قبر ولي الله فلان وفاءً بنذره الذي كان نذره أو شكرًا على جميل يحمله في عنقه لصاحب المقام أو عادة لوالده المتوفى لا يريد هو أن يقطعها من بعد وفاته، وما علم هذا المسكين أنه قد أشرك بهذا مع الله -عز وجل-، ذلك لأن الذبح عبادة لا يصح صرفها لغير الله، بل ورد العقاب الشديد والوعيد الأكيد في حق من صرفها لغير العزيز الحميد جل وعلا.
فالذبح والنحر عبادة لله -تعالى- دلت على ذلك آيات الكتاب الكريم وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- بل وشهدت بذلك الفطرة السوية النقية التي لم تتلوث بالشرك وتعالوا بنا سريعًا نتعرف إلى ذلك تفصيلًا.
أما آيات الكتاب الكريم والقرآن العظيم فدلت على أن الذبح أو النحر عبادة لله -تعالى- في غير ما موضع، منها قوله -تعالى-: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) [الأنعام: 162 - 165]
قال الحافظ ابن كثير: يأمر الله -تعالى- نبيَّه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك فإن صلاته ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله -تعالى-:"إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) أي أخلص له صلاتك وذبيحتك فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله -تعالى- بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال والقصد والنية والعزم على الإخلاص لله -تعالى- فيما هو فيه."
قال مجاهد: النسك: الذبح وعن سعيد بن جبير قال: وَنُسُكِي: وذبحي. [2]
(1) أخرجه ابن ماجه (4202) ، وغيره، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (34) .
(2) تفسير ابن كثير - (3/ 381) ، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، بتصرف.