وهذا عبادة لغير الله -تعالى- فهو شرك وهذا واقع في هذه الأمة بكثرة من حين وجدت الأضرحة وبنيت على القبور وصار كثير من الناس يتجهون إليها، لأنهم قيل لهم:
إن هذه القبور فيها بركة وفيها نفع وفيها دفع ضرر وإنها محرمة فمن نذر للقبر الفلاني أو للشيخ الفلاني فإنه يحصل له مقصوده، إن كان مريضًا يشفى، وإن كانت امرأة تريد الحمل فإنها إذا نذرت للشيخ الفلاني تحمل، وإذا حصل بالناس تأخر مطر أو خير نذروا لهذه القبور نزل المطر إلى غير ذلك من المغريات التي قيلت للناس ألقاها إليهم الشيطان على ألسنة أوليائه المنتفعين من وراء ذلك وما أكثرهم.
وقد يفعل بعض الناس ذلك ويحصل الله لهم مقصودهم ابتلاء وامتحانًا منه -جل وعلا- أو قد يكون هذا قدره فصدف أن حصل فيظن الجهال أن الشيخ أو الولي هو الذي ساقه وهذا جهل بالله وقضائه وقدره -عز وجل-.
فالنذر -أيها الإخوة- النذر لغير الله شرك من وجوه:
الوجه الأول: أن النذر بالطاعات عبادة لله -تعالى- مدح المؤمنين بها فصرفها لغير الله شرك.
الوجه الثاني: أن النذر لغير الله مبني على اعتقاد أن الضر والنفع في يد هذا المنذور له وليس في يد الله وأنه يعلم حال الناذر وأنه يتصرف في الأمور ويقضي الحاجات ويفك الكربات واعتقاد ذلك فيما سوى الله شرك أكبر فإنه لا يملك ذلك إلا هو -سبحانه وتعالى-.
الوجه الثالث: أن النذر لغير الله يدل بالضرورة على محبة ذلك الغير حبًّا جمًّا يساوي أو يزيد عن حب الله ولأجل هذا انصرف هذا الناذر بنذره عن الله واتجه إلى الذي له نذر من ولي أو جني وهذا شرك في المحبة مع الله.
الوجه الرابع: أن غالب الذين ينذرون لغير الله -تعالى- ينذرون للأموات وهل الميت يملك من أمر نفسه شيئًا فضلًا عن أن يملك نفع غيره أو ضره فيا عقل هذا العاقل الذي يطلب ممن لا يملك ولا يقدر بل ولا يستحق شيئا ويطلب إليه الحوائج والأشياء وهذا شرك أن نطلب من الأموات أو الأحياء ما لا يقدر عليه إلا الله وصدق ربي إذ يقول:"قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [يونس: 31] ".
ويقول جل شأنه:"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: 165] . [1] "
(1) "الشرك بالله أنواعه وأحكامه"لماجد شباله، ص 519 نقلًا من عون العلي الحميد (1/ 255، 256) .بتصرف