ومن لطيف ما قرأت ـ أيها الإخوة ـ ما ذكره الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية في ترجمة المتنبي فقد أورد له هذين البيتين وقد قالهما في سيف الدولة الحمداني، قال ابن كثير: وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله- أنه كان يُنكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله -سبحانه وتعالى- وأخبرني العلامة شمس الدين ابن القيم -رحمه الله- أنه سمع الشيخ تقي الدين ـ يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يقول:
ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع [1]
فالملاذ يكون بالله، والمعاذ يكون بالله فهو مفرج الكرب حبيب القلب شديد القرب"اللهُ: هو الاسم الجليلُ العظيمُ، هو أعرفُ المعارفِ، فيه معنىً لطيفٌ، قيل: هو مِنْ أَلهَ، وهو الذي تألهُهُ القلوبُ، وتحبُّه، وتسكنُ إليه، وترضى بهِ وتركنُ إليهِ، ولا يمكنُ للقلبِ أبدًا أن يسكن أو يرتاح أو يطمئنَّ لغيرهِ سبحانه، ولذلك علّم - صلى الله عليه وسلم - فاطمة ابنتهُ دعاء الكرْبِ:"اللهُ، اللهُ ربي لا أشركُ به شيئًا" [2] ."قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ،"وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ"،"اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ"،"وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسموات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ"،"يوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ"،"إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السموات وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا" [3] أفرأيت هذه الآيات إنها تلقي جلال الله في القلوب حتى لا ترى سواه ولا تعرف إلاه ولا تستعيذ بمن عداه ولا تلوذ وتؤمل وترجوا خلاه.
هذا عن تعريف الاستعاذة ـ أيها الإخوة ـ وقبل أن ننتهي من هذا العنصر نذكر فائدة جميلة ذكرها ابن كثير في التفسير عن فوائد الاستعاذة قال -رحمه الله-:
"ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله -تعالى- واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة ولا يداري بالإحسان بخلاف العدو من نوع الإنسان قال -تعالى-:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلًا"."
(1) البداية والنهاية (11/ 259) .
(2) انظر صحيح ابن ماجه 2/ 335 وصحيح الترمذي 4/ 196، وصحيح الترغيب والترهيب (1824) ، وعن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع أهل بيته فيقول:"إذا أصاب أحدكم غم أو كرب فليقل: الله، الله ربي لا أشرك به شيئا"، وهو في الصحيحة - (6/ 254) ، وقال: أخرجه ابن حبان في"صحيحه" (2369 - موارد) و الطبراني في"المعجم الأوسط" (2/ 22 / 2/ 5423) .
(3) لا تحزن.