وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري يوم بدر، ومن قتله العدو البشري كان شهيدًا ومن قتله العدو الباطني كان طريدًا ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجورًا ومن قهره العدو الباطني كان مفتونًا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالله الذي يراه ولا يراه الشيطان" [1] "
ومن لطيف ما قرأت ما ذكره ابن الجوزي أن بعض الشيوخ المربين أراد أن يعرف تلميذًا له قدر عداوة الشيطان ويعلمه كيف يستعيذ ويحتمي منها ويدفعها فقال له الشيخ المربي: ماذا تفعل إذا مررت بغنم فنبحك كلبها؟ فقال التلميذ: أرميه بحجر، قال: فإن عاد ثانية؟ قال: أرميه بحجر قال الشيخ: فإن عاد؟ قال التلميذ: أرميه بحجر قال الشيخ: ذاك أمر يطول يا بني، قال: فماذا أصنع؟ قال: استعن برب الغنم يكف عنك كلبها، فيا أيها الحبيب: استعذ بالله يكفك شر الشيطان، لأنه لا حول لك ولا قوة على دفعه إلا بالله -عز وجل-.
بك أستجير ومن يجير سواك؟ ... فأجر ضعيفًا يحتمي بحماك
إني ضعيف أستعين على قوي ... عجزي ومعصيتي ببعض قواك
أذنبت يا رب وقادتني ذنوب ... ما لها من غافر إلاك
دنياي غرتني وعفوك شدني ... ما حيلتي في هذه أو ذاك
لو أن قلبي لم يك مؤمنًا ... بكريم عفوك ما غوى وعصاك
يا منبت الأزهار عاطرة الشذى ... هذا الشذى الفواح نفح شذاك
يا مجري الأنهار ما جريانها ... إلا استجابة قطرة لنِداك
رباه قلب تائب ناجاك أترده وترد ... صادق توبتي حاشاك تفعل ذلك حاشاك
رباه ها أنا قد خلصت من الهوى ... واستقبل القلب الخلي هداك
فليرض عني الناس أو فليسخطوا ... أنا لم أعد أسعى لغير رضاك
فهل الاستعاذة بهذه المعاني تكون عبادة أيها الإخوة؟
وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء: هل الاستعاذة عبادة؟
والجواب بحول وعون الملك الوهاب: إن الاستعاذة عبادة من أجلّ العبادات وأرفعها، ولم لا؟ وهي تتضمن ثقة القلب ويقينه وأمنه وطمأنينته إلى أن المستعاذ به هو المعيذ والمعين والناصر وصاحب القوة التي لا تقهر والقدرة التي لا تغلب.
والأدلة على هذا من القرآن الكريم والسنة المطهرة والطبع أكثر من أن تحصر.
(1) تفسير ابن كثير (1/ 114) .