ومن هذه الأحوال: دعاء الخروج من البيت: روى أبو داود بسند صحيح من حديث أم سلمة قالت: ما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضل أو أزل أو أُزل أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يجهل علي". [1] "
إلى غير هذا من الأحوال التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحافظ فيها على الاستعاذة وما استعاذ فيها جميعًا إلا بالله وحده ذلك أن الطبع بعد الشرع يدل على صحة ذلك التصرف وخطأ ما عداه.
لأن دفع الضرر ودفع الشرور لا يقدر عليه إلا الله -سبحانه وتعالى- وكل ما لا يقدر عليه إلا الله فإنه لا يطلب إلا منه جل في علاه.
ولهذا بين الله -تعالى- أن المشركين كانوا يستعيذون بغيره وأوضح لنا عظم جرمهم وقبح تصرفهم ذاك وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء: حكم من استعاذ بغير الله
أيها الإخوة إذا علمنا أن الاستعاذة عبادة لا يقدر عليها إلا الله ولا تُصرف إلا له -سبحانه وتعالى- كان صرفها والتوجه بها إلى غير الله شرك وقد قال الله -عز وجل- حاكيًا عن حال المشركين في استعاذتهم بغير الله من الجن والشياطين قال سبحانه"وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) " [الجن: 6] وقصة هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما خرج إلى الطائف يدعوهم إلى الله -عز وجل- فردوه ردًّا قبيحًا وأغروا عبيدهم وسفهاءهم يرجمونه بالحجارة عليه الصلاة والسلام رجع إلى مكة وقد خرج من مكة على حالة شديدة، مات عمه الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة التي كانت تؤانسه وكانت له نعم المعين على دعوته، ثم لما خرج إلى الطائف أصيب بهذا الرد القبيح، اشتدت به الحال -صلى الله عليه وسلم- جدًّا وبينما هو كذلك يسر الله له من الجن من استمع إلى القرآن وآمن به وذلك عند واد يقال له نخلة بين مكة والطائف قام -صلى الله عليه وسلم- يصلي الفجر ويقرأ القرآن واستمع له الجن فأعجبوا بالقرآن كما قص الله علينا في سورة الأحقاف وفي سورة الجن.
قال -تعالى-:"وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) ".
(1) أخرجه أبو داود (94 50) ، وابن ماجه (3884) ، وانظر صحيح الترمذي 3/ 152 وصحيح ابن ماجه 2/ 336.