فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 675

وقال عز من قائل: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) [الجن/1 - 7]

وفي هذه الآيات -أيها الإخوة-: ينتقد هؤلاء المؤمنون من الجن بعض أفعال العباد التي تخالف التوحيد فمن ذلك أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا.

قال المفسرون عكرمة والسدى وغيرهما: كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم المكان الذي ينزلون فيه من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير، ينزل الرجل بأهله في المكان فينادي: إنا نعوذ بعظيم هذا الوادي أو بسيد أهل هذا الوادي من سفهائه، قالوا: وكانت الجن إذا رأتهم أقبلوا هربت فلما فعلوا ذلك وسمعوا كلامهم عرفوا أن الإنس يخافون منهم كما يخاف الجن من الإنس فرجعوا إليهم وزادوهم خوفًا وأصابوهم بالخبل والجنون وتعبدوهم بشتى العبادات منها الاستعاذة ومنها الاستعانة وربما الذبح وغيرها فزادوهم إثمًا وكفرًا وطغيانًا. [1]

ومن عجيب وجميل ما اطلعت عليه في هذا الموضع ما ذكر الحافظ ابن كثير عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملًا من الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامرَ الوادي جارَك، فنادى منادٍ لا نراه يقول: يا سرحان أرسله، فأتى الحَمَل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة، وأنزل الله -تعالى- على رسوله بمكة"وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) ، [الجن: 6] [2] "

قال الحافظ اللبيب الأريب ابن كثير: وقد يكون الذئب الذي أخذ الحمل، وهو ولد الشاة، كان جنيًّا حتى يرهب الإنسىّ ويخاف منه، ثم رده عليه لما استجار به ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه والله أعلم [3]

وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا أي: زاد الجن الإنس باستعاذتهم بسادتهم رهقا: إثمًا وطغيانًا وشرًّا وغشيانًا لمحارم الله -تعالى-.

(1) تفسير ابن كثير (8/ 239) .

(2) نفسه (8/ 240) .

(3) نفسه (8/ 240) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت