ولذا حكى الله -تبارك وتعالى- عبادة هؤلاء الإنس للجن في القرآن الكريم كما قال -تعالى-: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42) [سبأ/40 - 42]
قال العلماء: كانت عبادتهم للجن استعاذتهم بهم.
أقول -أيها الإخوة-: ولعل هذا هو السبب الرئيس في استكبار هؤلاء الجن وأمثالهم من الشياطين عن الإذعان والتسليم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإطاعته واتباعه لمًّا جاء بدعوة الله ورسالته إلى أهل الأرض لأنه سلبهم الزعامة التى كانوا يتبوءونها، كما استكبر ابن أبي بن سلول زعيم المنافقين عن الإيمان، لأنه كان سيصبح ملكًا على المدينة قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهجرته إليها فلما فات عليه هذا المنصب بهجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- حمل العداوة للإسلام والمسلمين، أقول: وهذه حال المشركين من الجن والشياطين فمن أعجب ما قرأت في ذلك ما روي أنهم دبروا لمحاولة اغتيال النبي -صلى الله عليه وسلم- وقتله بطريقة بشعة شنعة للغاية فقد روى الطبراني في الأوسط وصحح الحديث العلامة الألباني في الصحيحة عن جعفر بن سليمان الضبعي قال حدثنا أبو التياح قال: قلت لعبد الرحمن بن خنبش التميمي وكان شيخًا كبيرًا: أدركت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم، قال: قلت: كيف صنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة كادته الشياطين؟ فقال: إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأودية والشعاب وفيهم شيطان بيده شعلة من نار يريد أن يحرق بها وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهبط إليه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد! قل، قلت: وما أقول: قال: قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق، إلا طارق يطرق بخير يا رحمن، قال: فطفئت نارهم وهزمهم الله -تبارك وتعالى-. [1]
وروى مسلم عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ» . ثُمَّ قَالَ «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» . ثَلاَثًا. وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِى الصَّلاَةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ. قَالَ «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِى وَجْهِى فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ فَلَمْ
(1) أخرجه الطبراني في"الأوسط" (2/ 31 / 5547) ، وهو في الصحيحة (2738) .