حال السلف، تيقن قطعًا أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلًا، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جُهّالهم) [1] .
ويقول ابن القيم مبيّنًا أن صنيع القبوريين مفارق لما كان عليه سلف الأمة متسائًلا بما يقطع حبل القبوريين ويذبح عقائدهم بأحد سكين فيقول: (هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم [أي: السلف الصالح] بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلًا أن يصلّوا عندها، أو يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في ذلك ... ) [2]
ولا زال التساؤل قائمًا؛ فهل يجيب عنه أحد من هؤلاء لو استطاع؟! ويقول العلامة الصنعاني: (إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلًا بعد جيل وقبيلًا بعد قبيل؛ فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل بلدته يلقنونه: أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون له، ويرحلون إلى محل قبره ... فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير ... ولا يخفى على أحد يعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم على وقوع المنكر ليس دليلًا على جواز ذلك المنكر) [3] .
ويقول العلامة الشوكاني: (اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول -صلى الله عليه وسلم- لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين) [4]
ثالثا: من صور دعاء غير الله تعالى والاستغاثه بغيره سبحانه: الاستغاثة بالصالحين الأحياء غير الحاضرين في مكان المستغيث أو الاستغاثة بهم وهم حضور لكن في غير ما يقدرون عليه ولا يستطيعه إلا الله -عز وجل- وهذا موجود بل حدثنا بعض العلماء الأفاضل بأنه ركب حافلة مع أتباع شيخ يريد أن يرى أفعالهم وأحوالهم يقول: وفي بعض الطريق لما رجعنا قافلين عائدين توقفت السيارة فجأة حتى انقلب بعضنا فوق بعض فما كان منهم إلا أن صاروا ينادون على شيخهم الغائب الذي تركوه وراءهم في الحلقة أو الحضرة فإذا هم يقولون: أغثنا يا شيخنا فلان مدد، نظرة، ونحو هذا من كلامهم.
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 681) .
(2) إغاثة اللهفان، 1/ 318.
(3) تطهير الاعتقاد، ص 36، باختصار.
(4) شرح الصدور ص 8.