ولازلت أذكر شيئًا طريفًا جدًّا يردده عندنا الناس متضاحكين به متندرين وهو أن رجلًا مزارعًا شارك رجلًا غنيًّا ثريًّا على جاموسة ومعلوم أن ما تلدة من العجول يكون لصاحب المال الغنى نصفه ولصاحب الرعاية الفلاح نصفه الآخر، وفى مرة من مرات ولادتها تعسرت الجاموسة فما كان من امرأة ذلك الفلاح إلا أن قالت: يا سيد يا بدوى إن نزل هذا العجل فلك نصفه فنظر إليها زوجها الذى كان يعالج العجل ليخرج وقال - بصوت ساخر: يا سيد يا بدوى لك نصفه ثم قال: الله! لفلان - يعنى شريكه الغنى- لفلان نصفه وللسيد البدوى نصفه وأطلع أنا منها بلا شيئ، ارجع يا عجل إلى بطن أمك.
فهذه الصورة وغيرها -أيها الإخوة- من الشرك بالله تعالى فقد قال عز من قائل:"ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين".
فالداعي يبتغي النفع والضر ويسلم الوجه ويقصد الخير من يدي من يدعوه ويتوجه إليه ويرجوه ويعلق قلبه به حال قصده وبعده ويرغب إليه وينطرح ويتذلل بين يديه فمن فعل ذلك مع غير الله -سبحانه وتعالى-، بالله تعالى عليكم هل بقى له من اسم الإسلام شيء؟ كلا وربي إنه لمشرك.
قال النعمي -ولله دره فيما قال-:"إن من أمعن النظر في آيات الكتاب وما قص من محاورات الرسل مع أممهم وجد أن أس الشأن ومحط رحال القصد شيوعًا وكثرة وانتشارًا وشهرة هو دعاء الله وحده وإخلاص العبادة له فمن فعل ذلك مع غير الله كان مشركًا شاء أم أبى شركًا أكبر سواء كان هذا المدعو نبيًُا أو وليًُا أو ملكًا أو جنيًُا أو حيًُا أو ميتا قال تعالى:"وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) "، ولله در شيخ الإسلام وعطر الأنام ابن تيمية إذ يقول:"ومن أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان أن يدعي غير الله فإن ذلك من الشرك والله لا يغفر أن يشرك به". [1] "
بل أحدثكم -أيها الإخوة- بما قد تعجبون له عجبًا شديدًا: إن الميت لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيره، وأما هذا الغير فإنه يملك ذلك للميت فيما يقدر عليه، فنحن نستطيع أن ننفع السيد البدوى وهو لا يستطيع ذلك، ونملك أن ننفع الدسوقى والجيلانى والرفاعى بدعوة وهم لايملكون ذلك-وهاهو ذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد استغاث برجل مسلم موحد من خطر كان يحيق به وهو ميت في قبره، لأن ذلك المسلم يستطيع دفع هذا الخطر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
وقد ذكر ذلك الطبري في تاريخه وابن كثير في البداية والنهاية أنه في عصر السلطان الزاهد التقي العابد الورع النقي الطاهر نور الدين محمود زنكي -رحمه الله- تعالى فقد أراد المجرمون الخبثاء اليهود والنصارى أن يخرجوا جثمان النبي
(1) الرد على البكري (ص 95) ، شيخ الإسلام ابن تيمية.