التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله - كما سنبين بعد قليل - فتبين لنا -أيها الإخوة- أن الشافع لا يشفع إلا بإذن من الله ورضًا ولا يشفع إلا لمن أذن الله فيه وارتضى: أذن للشافع ورضي عن المشفوع له.
وهناك نوع ثالث من الشفاعة المنفية المرفوضة وهو شفاعة المعبودات التي يعبدها الكافرون والمشركون من دون الله فإنها لا تشفع لعابديها قال تعالى:"ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ... الآية"، ولهذا وبخهم الله بقوله:"قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) [سبأ: 22، 23] ."
فنفت هذه الآية أربعة أمور عن الأصنام والأوثان والأنداد التي يعبدها المشركون لتقربهم بزعمهم إلى الله زلفى:
الأول: أنهم ليس لهم ملك - ولو قلّ - فكيف تدعونهم وهم لا يملكون؟
الثاني: أنهم ليسوا شركاء مع المالك، فالمَالك المَلِكُ ليس له شريك.
الثالث: أنهم ليسوا ظهراء معينين للملك فإنه ليس له ظهير.
الرابع: أنهم لا يصلحون للشفاعة عنده، لأن الشفاعة ليست إلا لمن عنده الإذن والعهد بذلك وليس معهم ذلك العهد وهو التوحيد كما بينا فليس لهم إذن فلا يشفعون.
قال العلامة ابن القيم: وهكذا قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعًا قطعًا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليًّا فمثله كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل لديه من النفع والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الخصال الأربع.
فالشفاعة -أيها الإخوة- ملك لله تعالى وحده لا تطلب من غيره، لأنها من جنس الدعاء فلا تطلب الشفاعة من أحد على الإطلاق لا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا من أحد غيره، والنصوص الواردة في الشرع عن الشفاعة إنما هي خاصة بالآخرة، نعم تطلب شفاعة المؤمنين لبعضهم البعض في الدنيا لقضاء المصالح التي تكون في استطاعة الشافع وقدرته كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-"اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء" [1] وهي الوساطة بالخير كما قال -صلى الله عليه وسلم-:"من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه". [2]
(1) أخرجه البخاري 1432.
(2) أخرجه مسلم 5861.