فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 675

فبين لنا الله تعالى الحكمة - من خلق الثقلين الإنس والجن وهي أنه إنما خلقهم لشيء واحد وهو العبادة ولهذا جاء بالحصر"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"حصر الحكمة من خلق الجن والإنس في شيء واحد وهو أنهم يعبدونه، فالحكمة من خلق المخلوقات هي عبادة الخالق -سبحانه وتعالى-، خلق الله الجن والإنس للعبادة وخلق كل الأشياء لمصالحهم، سخرها لهم ليستعينوا بها على عبادته -عز وجل- ومعنى ليعبدون، أيها الإخوة - أي يفردوني بالعبادة وهذا هو التوحيد الذي هو حق الله على عباده فإنه بذلك أمر أمرًا مؤكدًا مقررًا فقال: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فهذا أمر من الله بعبادته ونهي عن الشرك به، وهذا معنى لا إله إلا الله، لأن لا إله إلا الله معناها نفي الشرك وإثبات العبادة لله -سبحانه وتعالى- فقال سبحانه"واعبدوا الله"،أي أخلصوا العبادة لله وحده أي تقربوا بجميع أنواع العبادة إليه.

وقال سبحانه: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا"."

وقضى أي أمر وشرع فهذا أمر من الله -تعالى- واجب وتشريع حتم لازم أن لا نعبد إلا هو وحده سبحانه.

وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال:"كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمار، فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا". [1]

وهذا الحديث العظيم يبيّن أن حق الله على عباده أن يعبدوه وحده لا شريك له بما شرعه لهم من العبادات، ولا يشركوا معه غيره، وأن حق العباد على الله -عز وجل- أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، ولا شك أن حق العباد على الله: هو ما وعدهم به من الثواب، فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق، وقوله الحق، الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فهو حق جعله الله سبحانه على نفسه، تفضلًا وكرمًا، فهو سبحانه الذي أوجب على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين، كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم عدله ورحمته، كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم [2]

فالتوحيد أيها الإخوة هو حق الله على عباده الذي لا يقبل الله بدونه صرفا ولا عدلاَ، لا فرضًا ولا نفلًا، وهو أول واجب فرضه الله على عباده قبل الصلاة والصيام وغيرها من شرائع الإسلام.

(1) أخرجه البخاري 2856، ومسلم 153.

(2) نور التوحيد وظلمات الشرك للقحطاني (ص 6) ، وانظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، 1/ 203، وشرح النووي على صحيح مسلم، 1/ 345 ومجموع فتاوى ابن تيمية، 1/ 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت