فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 675

أرسل رسلًا مبشرين ومنذرين يعرفون الخلق به ويدلون الناس عليه وأوجب ذلك على نفسه كما قال تعالى:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا"فلم تبق من الأمم أمة إلا وجاءها رسول من الله كما قال ربنا:"وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ".

وأبقى الله بعد هذا كله - في كل أمة هداة مهديين مرشدين معرفين من الأولياء والدعاة والصالحين ورثة للأنبياء في رسالتهم فهم يدلون الخلق بعد رحيل الرسل إلى طريق الخالق سبحانه وهؤلاء لم تخل منهم أمة من الأمم.

روى مسلم من حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". [1]

الهداية العامة التى أهل الله بها كل مخلوق إلى ما ينفعه في أداء وظيفته، وهداية الإرشاد والدلالة التى تتمثل في الهداية الفطرية وبعثة الرسل ونعمة بقاء الدعاة الى الله على طريق الرسل بعد رحليهم وهذا كله -أيها الإخوة- إنما هو فقط للدلالة والإرشاد والتعريف والبيان فهي كلها لا تعمل عملها ولا تؤتي ثمرتها ولا يحصد حصادها إلا إن حالفتها هداية أخرى وهي النوع الثالث من أنواع الهداية وهي:

"هداية التوفيق"وهداية التوفيق لا يملكها ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح وإنما يملكها الله تعالى وحده الذي يملك أن يوفق ويضل، ويعطي ويحرم، ويغدق ويمنع، ويسعد ويحزن، ويهدى ويشقي، ويعز ويذل:"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) [آل عمران: 26، 27] ".

ولهذا قال الله تعالى لنبيه لما أراد أن يدخل أبا طالب الإسلام وسعى لذلك بكل جهد وسبيل وبذل غاية ما في وسعه ولكن أبا طالب لم يهتد قال الله لنبيه:"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يملك الهداية لأحد فما بالك بمن دون النبي - صلى الله عليه وسلم - ولهذا فغيره من الأولياء والصالحين الذين يُدعون من دون الله -عز وجل- من باب أولى وأحرى ألا يملكوا شيئًا من الهداية، لأن أفضل الخلق وأقربهم إلى الله قد انتفت عنه وهو بهذه المنزلة، فنفيها عن غيره أولى وأحرى"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ".

(1) أخرجه مسلم (49) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت