فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 675

ولا يتعارض هذا -أيها الإخوة- مع قوله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم:"وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"لا تعارض، فالأولى التي نفاها الله عن نبيه هي هداية التوفيق والثانية التي أثبتها له هي هداية الإرشاد والدلالة فالنبي يملك أن يدل الناس على الله ويأخذ بأيديهم إليه ويهديهم إليه بتعريف وبيان ولكنه لا يملك القلوب، فإن القلوب بيد علام الغيوب -سبحانه وتعالى-.

روى البخاري ومسلم من حديث ابن المسيب عن أبيه قال:"لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال له: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله"فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعادها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"فأنزل الله -عز وجل-:"مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) " [التوبة: 113] . [1]

وأنزل الله كذلك:"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ"سبحان ربى إن الله وحده هو الدى يملك هدايه التوفيق والتثبيت.

لم يملك النبي - صلى الله عليه وسلم - هداية التوفيق لعمه وإن بذل كل ما في وسعه من هداية الإرشاد والدلالة والبيان - وهذا أيها الإخوة- يضع أيدينا على الأمر الخطير والشيء المهم وهو أننا بحاجة في كل نفس إلى أن نضرع إلى الله أن يهدينا إلى سواء السبيل ويثبتنا على الصراط المستقيم.

والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا صمنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

قال تعالى عن عباده المؤمنين العارفين به:"وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) [الأعراف: 42، 43] ."

ومن هداه الله تعالى في الدنيا إلى طاعته ووفقه إلى عبادته هداه في الآخرة إلى جنته، وهذه الهداية هي الهداية في الآخرة وهي النوع الأخير من أنواع الهداية.

(1) أخرجه البخاري (4675) ، ومسلم (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت