يحذر - صلى الله عليه وسلم - من الغلو في كل شيء في الاعتقاد وفي العمل وفي العادة وفي الأشخاص وفي الهيئات، لأنه هو الداء العضال الذي ضرب الأمم السابقة بسهام الهلاك والقتل والضياع ضاعت بسبب الغلو أمم فقد غلت أمة نوح في الصالحين فهلكت، وغلت اليهود في عزير فهلكوا، وغلت النصارى في عيسى فهلكوا، قال تعالى عن قوم نوح:"وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) ".
وفي الصحيح عن ابن عباس في هذه الآية قال:"أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِى كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ ....". [1]
وقال ابن القيم:"قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم". [2]
وقال تعالى عن حال اليهود مع العبد الصالح عزير، والنصارى مع نبي الله عيسى عليه وإخوانه النبيين أفضل الصلاة وأتم التسليم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: 30] ، ولا زال الغلو في الأمم يبيدها ويحيق بها اللعنات المتتالية من رب الأرض والسموات.
قال الله -عز وجل-: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) [النساء: 171 - 173] .
يا قوم! اتبعوا ولا تبتدعوا وعليكم بالكتاب والسنة، هذا هو الطريق هذا هو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، أن نلزم ما كان عليه السلف الأول على نهج محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه عليهم رضوان الله أجمعين فدعوا عنكم بنيات الطريق، هذه معالم الطريق واضحة، دعوا الغلو في القبور، دعوا الغلو في الأولياء والصالحين دعو الغلو في الأضرحة والمقامات، إن قرون الإسلام المتتالية من بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة قرون لم تعرف قبرًا
(1) أخرجه البخاري (4920) .
(2) إغاثة اللهفان (ص 552) .