لكن بعض الناس للأسف الشديد يحول هذه الزيارة من وسيلة للاتعاظ والاعتبار والادكار إلى وسيلة تفتح عليه بحرًا من السيئات كالسيل المنهمر، فمن الناس من إذا زار القبور لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وصدرت منه كلمات تسخط رب البرية جل في علاه.
نعم .. نسمع ذلك ونراه وكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل كما في الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية". [1]
ومن النساء من تذهب فتنوح وتعدد مآثر من مات وتذكر فضائل من رحل وكأنها لم تسمع قول نبيها - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت". [2]
أيها الإخوة .. إنما شرع لنا الله ورسوله في زيارة القبور سنة تتبع وطريقة تحتذى، فمن زار منا قبرًا فليدع لأهل القبور عمومًا ولأقاربه ومعارفه خصوصًا فيكون محسنًا إليهم بالدعاء وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم، ومحسنًا إلى نفسه باتباع السنة وتذكر الموت والآخرة.
روى مسلم من حديث عائشة وفيه أنه - - صلى الله عليه وسلم - - قال: فإن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت عائشة: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المتقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون". [3] "
هذا هو المشروع في زيارة المقابر -أيها الإخوة- دعاء للأموات واستغفار لهم من رب الأرض والسموات، واتعاظ وادكار واعتبار بحالهم.
أما أن تجعل زيارة المقابر وسيلة للتفاخر وطريقة للتباهي فإذا زار الرجل أو المرأة قبر قريبه ذكر مآثره ومحاسنه ومراتبه ومناقبه، ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد بل والله صار التفاخر إلى بناء المقابر في زخرفتها وتشييدها وبنائها وذلك قد نهى عنه الله ورسوله ألم تسمع إلى ربنا يقول:"بسم الله الرحمن الرحيم"
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) [التكاثر: 1 - 8] .
(1) أخرجه البخاري (1297) ومسلم (103) .
(2) أخرجه مسلم (67) .
(3) أخرجه مسلم 2301.