فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 675

ذكر ابن كثير -رحمه الله- أن هذه السورة نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان وفلان؟ وقال الآخرون: مثل ذلك تفاخروا بالأجياد قال: ثم انطلقوا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان - يشيرون إلى القبور - ومثل فلان وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله -عز وجل-"ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر"،كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. [1]

فعلام -أيها الإخوة- .. علام التفاخر والتباهي؟ وهذه القبور التي شيدناها وزيناها علام هي الأخرى؟ علام التشييد وبناؤها عالية ضخمة فخمة أدوارًا وفللًا وساحات وأندية إن حال المقام فيها والله لا يتغير بذلك، فلن يقلب البناء الجميل المزخرف المزركش حال التعيس البائس، ولن ينقص من أجر العامل المحسن الصالح أن يدفن في خربة، لأنها مجرد زيارة نعم إنما الميت ضيف في قبره سوف يقضى وقت ضيافته وهو قصير جدًا ثم يروح ويتركه.

عن ميمون بن مهران قال كنت جالسًا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) [التكاثر: 1، 2] ، فلبث هنيهة ثم قال: يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله يعني أن يرجع إلى منزله، إلى الجنة أو إلى النار.

ولله در أعرابي ثقف لقن ذكي فطن سمع قوله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) [التكاثر: 1، 2] فقال: بعث اليوم ورب الكعبة، أي: إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره.

فعلام هذه الزخارف وإنفاق الأموال في غير موضعها فإن الله سيسألنا عنها فماذا نحن قائلون؟

ومن الناس -أيها الإخوة- من يذهب إلى القبور فيفعل ما هو وسيلة إلى الشرك يتمسح بالقبور والأضرحة والمشاهد ويتوسل بها أو بمن فيها إلى الله أو يصلى عندها ويسرجها ويبني عليها مسجدًا للصلاة فيه وهذا ذريعة ووسيلة كما قلنا إلى الإشراك بالله وقد بينا ذلك فيما سبق معنا بينا حرمة التوسل بالمقبورين ونبين الآن حرمة اتخاذ هذه القبور مساجد فما هو -أيها الإخوة- حكم الشرع المطهر في بناء المساجد على القبور، وما حكم الصلاة في هذه المساجد؟

أولًا: حكم بناء المساجد على القبور:

(1) تفسير ابن كثير - (8/ 473) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت