فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 675

إن العقل والقلب ليحتاران أهذه أمة المصطفى التي زكاها الله بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110] ، والتي من لوازم خيريتها أن تلزم الصراط المستقيم لا تحيد عنه قيد أنملة وإلا سلبت هذه الخيرية؟

أهذه هي الأمة الوسط التي قال فيها الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143]

والتي من لوازم وسطيتها أن لا تقصر في الدين ولا تغلو فيه وإلا سلبت هذه الوسطية؟

أإلى هذا الحد نسيت الأمة جهود الأئمة فيها ممن قام بدحض الشرك وهدم الأوثان؟

وقبلهم أنسيت الأمة قيام أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على التوحيد والدعوة إليه وسد الثغور عنه دون الشرك؟ وقبلهم أنسيت حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك؟ أفإن نسيت ذلك كله أنسيت كتاب ربها الذي يهتف ليل نهار: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) [البقرة: 22] ؟، فإن كانت الأمة نسيت ذلك كله فأين جهودنا لحماية التوحيد وإرجاع الأمة إلى التزام سواء السبيل، وهذا هو عنصرنا الأخير أيها الإخوة: أين جهودنا لحماية التوحيد؟

لقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - داعيًا إلى التوحيد محذرًا ومنذرًا من الشرك وعاقبته فلم يدع بابًا يقرب ويحض على التوحيد إلا ودل عليه وطرقه ورغب فيه، ولم يدع بابًا يوصل إلى الشرك إلا وحذر من ولوجه وسده وعظم طرقه فكان كما قال فيه ربنا -سبحانه وتعالى-: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) [التوبة: 128، 129]

فهذه الآية -أيها الإخوة- تدل على حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، ومن حرصه أنه يسد كل طرق الشرك عنها إذ لا أضر من الشرك والكفر والنفاق الذي يخلد صاحبه في النار أبد الآبدين، وفيها أيضًا حرصه - صلى الله عليه وسلم - على صلاح شأن أمته وأي صلاح أعظم من صلاح التوحيد الذي لو أتى العبد ربه بكل حسنة لم يقبلها الله -عز وجل- منه إلا به، لابد أن يأتي بالتوحيد ليقبل منه كل حسنة بعدها [1] .

وقد قام النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذين الأمرين خير قيام، فعلمنا التوحيد ودلنا عليه، وحذرنا من الشرك وأنذرنا إياه وسد علينا طرقه ومنافذه، ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني"

(1) عون العلى الحميد (1/ 366) بتصريف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت