وللأسف -أيها الإخوة- فقد رد كثير ممن ينسبون إلى العلم هذا الحديث الصحيح وتبعهم في ذلك من يقدمون عقولهم على صحيح السنة ويردون النصوص لأنها لا توافق عقولهم ولعمر الله أي عقل ذلك الذي يرد كلام ووحي من خلق الخلق فإن السنة وحى وليست العقول وحدها الميزان لمعرفة الصحيح من السقيم فإن العقول تستحسن القبيح وتستقبح الحسن بمجرد الهوى ورضي الله عن علي بن أبي طالب الذي قال: لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه، ولكني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على أعلى الخف. [1]
ولكن كيف انجلى السحرعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيها الإخوة؟ رأينا كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما شعر بالأعراض في جسمه كان - صلى الله عليه وسلم - يكثر من الدعاء وهذه هي أولى خطوات العلاج لمن ابتلى بالسحر وهو اللجوء إلى الله -عز وجل- ثم بعد ذلك أطلع الله نبيه على السحر وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - من يستخرج السحر من مكانه وحله.
وهذا أوان الإجابة على السؤال الخطير في هذه النقطة ألا وهو كيف سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول الله؟ فالجواب -أيها الإخوة- أنه - صلى الله عليه وسلم - بشر كبقية البشر تعتريه الأمراض وهذا منها والسحر ما أثر على رسالته ولا على تبليغها بل أثَّر علي حياته الزوجية نوعًا ما فكان يخيل إليه أنه أتى الشئ ولم يأته، وما علم به إلا أقرب الناس إليه وأخصهم عائشة زوجته - رضي الله عنها- كما هو في الصحيحين.
قال القاضي عياض:"السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته - صلى الله عليه وسلم -". [2]
وقال القرطبي: الأنبياء من البشر فيجوز عليهم من الأمراض والآلام والغضب والضجر والسحر والعين وغير ذلك ما يجوز على البشر لكنهم معصومون عما يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى والصدق والعصمة عن الغلط في التبليغ". [3] "
والخلاصة مما مر كله أن السحر ابتلاء من الله لعباده ليبلو الله المؤمن الصادق من الكاذب ويختبر عباده به فمن ثبت فله الرضا من الله تعالى والثبات وحسن العاقبة ورفع الدرجات وزيادة الحسنات، ومن هذا الباب ابتلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لرفعة درجته مع أن الله تعالى صان نبيه في جانب الوحي والرسالة.
(1) أخرجه أبو داود (162) ، والدارقطني (73) والبيهقي (1/ 29 2) ، وصححه الألباني في صحيح أيي داود (153) .
(2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى - مذيلًا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء (1/ 181) العلامة القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي 544 هـ، بحاشية: العلامة أحمد بن محمد بن محمد الشمنى 873.
(3) المفهم 5/ 570.