فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 675

وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - العضه بالنميمة على الرغم من أن العضه هو السحر، ليبهنا لخطر النميمة ومدى قبحها في الشرع، كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حصر السحر في النميمة وهذا تحذير عظيم منها يجعل المرء لا يستهين بخطر النميمة على الإطلاق، والسؤال لماذا صارت النميمة بهذه الخطورة؟

وربما لا يعرف بعضنا ما هي النميمة وما هو خطرها فلنلق الضوء على بعض ذلك على وجه السرعة، النميمة -أيها الإخوة- معناها: نقل الحديث بين الناس على وجه الوشاية والإفساد، تجد الرجل يذهب إلى الرجل فيقول له: ألم تسمع فلانًا؟ ألم يبلغك ما يقول فيك فلان؟ ألم يأتك الخبر أن فلانًا يسبك ويشتمك ويتنقصك ويقول فيك كذا وكذا؟ فيكون نتيجة هذا أن يغضب هذا الشخص على فلان هذا ثم يذهب النمام لا يكتفي بل يذهب إلى ثان وثالث ورابع وكثير، فيكون بسبب ذلك الشحناء والبغضاء بين عباد الله -عز وجل-، ربما بين الولد وأبيه، بل ربما تقوم الحروب الطاحنة بين الناس بسبب النميمة فهي شر مستطير وخطر عظيم استهان الناس به ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

ومن أعجب ما قرأت في ذلك أن رجلًا ذهب إلى السوق ليشتري عبدًا يخدمه فما كان من البائع الأمين إلا أن قال له: هو ممتاز إلا أن فيه عيبًا واحدًا قال: ما هو؟ قال: إنه نمام فاستهان صاحبنا بهذا العيب وقال: هو عيب صغير، واشتراه فمكث العبد عنده أيامًا ثم إنه قال لزوجة سيده: إن سيدي يريد أن يتزوج عليك أو يتسرى وقد قال إنه لا يحبك فإن أردت أن يعطف عليك ويترك ما عزم عليه فإذا نام فخذي الموسى واحلقي شعرات من تحت لحيته واتركي الشعرات معك فقالت في نفسها: نعم واشتعل قلب المرأة وعزمت على ذلك إذا نام زوجها ثم جاء هذا الخبيث إلى زوجها وقال: سيدي إن سيدتي زوجتك قد اتخذت لها صديقا ومحبا غيرك ومالت إليه وتريد أن تخلص منك وقد عزمت على ذبحك الليلة وإن لم تصدقني فتناوم لها الليلة وانظر كيف تجيء إليك وفي يدها شيء تريد أن تذبحك به وصدقه سيده فلما كان الليل جاءت المرأة بالموسى لتحلق الشعرات من تحت لحيته والرجل يتناوم لها فلما رآها أيقن بما قال الغلام الخبيث وقال في نفسه: والله صدق الغلام بما قال فلما وضعت المرأة الموسى وأهوت إلى حلقه قام وأخذ الموسى منها وذبحها به فجاء أهلها فرأوها مقتولة فقتلوه وجاء أهله أيضًا، فوقع القتال بين الفريقين بشؤم ذلك العبد المشئوم، فانظروا إلام وصل ضرر النميمة فلا غرو أن سمى الله النمام فاسقًا كما في قوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [1]

نعم -أيها الإخوة-! فلا زال نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض للإفساد بينهم من أعظم أسباب قطع الروابط وإيقاد نيران الحقد والعداوة بين الناس ولذلك كانت النميمة من كبائر الذنوب وقد نهى الله -تبارك وتعالى- عباده عن السير

(1) القصة في كتاب الكبائر المنسوب للذهبي في باب الحديث عن كبيرة النميمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت