فإن استعمل المرء الذي آتاه الله تعالى هذه القوة البيانية إن هو استعملها في الخير والدفاع عن الحق والردّ على الباطل، فهو مأجور، وهذا هو الممدوح، أما إن استعملها بضدّ ذلك، فاستعملها في نُصرة الباطل، وهدم الحق فهو آثم ومأزور، وهذا هو المذموم.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذم البيان مطلقًا، وإنما ذم البيان الذي يقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، فإن البليغ الفصيح يستطيع بأسلوبه أن يزيّن للناس الباطل، وان يزوّره بكلامه حتى يظنّوه صحيحًا، ويستطيع أن يؤثِّر على الحق حتى يخيّل إلى النّاس أنه باطل.
فالواجب على المسلم إذا أعطاه الله مقدرة في الكلام والمحاورة أن يستعمل هذا في طاعة الله -سبحانه وتعالى-، وفي الدعوة إلى الخير، وترغيب النّاس في الخير، وتنفيرهم من الشرّ.
أما أن يستعمله بضدّ ذلك بأن يستعمله بالكلام في أعراض العلماء الربانيين وتبديعهم، وتجهيلهم؛ فهذا من السحر.
أو يستعمله في تزيين الشرك، وعبادة القبور، وتزيين البدع والخرافات والمحدثات؛ فهذا من السحر، لأن السحر يقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا، كذلك البليغ الذي يستعمل فصاحته في الدعوة إلى الشر.
وما ضلّ كثير من النّاس إلاَّ بسبب الدعاة البُلغاء المنحرفين إما في الإذاعات، وإما في الصحف، وإما فوق المنابر، وإما في مدرّجات الجامعات، إذا تكلموا استمالوا الحاضرين، وملأوا أدمغتهم بكلام مزوّر، حتى يخرجوا وهم يُبغضون الحق ويحبون الباطل- والعياذ بالله-، فهذا خطر عظيم. [1]
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - خطر هذه الطائفة التي تتحدث بلسان جميل جذاب تجمل به الشر والباطل وتزينه للناس فذمهم وقبحهم، حتى سماهم دعاة على أبواب جهنم وجعلهم شياطين في جثمان إنس كما في الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث حذيفة قال كان الناس يسألون رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ «نَعَمْ» فَقُلْتُ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ «نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ» . قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِى وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِى تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» . فَقُلْتُ هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ «نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا» . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ «نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ قَالَ «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» . فَقُلْتُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» .
(1) إعانة المستفيد الشيخ الفوزان صـ 1/ 364.