إذن فمعنى ما في الأرحام ليس المقصود منه هل المولود ذكر أم أنثى بل معناه أوسع من ذلك بكثير، لأن الله يعلم من هو أبو المولود ومن هي أمه قبل أن يتزوجا"أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا إنه عليم قدير" [الشورى: 50]
إن معنى كلمة ما في الأرحام هنا: تعني حياة المولود من لحظة ولادته إلى لحظة وفاته هل هو شقي أم سعيد طويل أم قصير، ما هو لونه، هل هو صحيح أم مريض؟ ما هو عمره، وماذا سيفعل، ما هي الأحداث التي ستقع له، وماذا سيعمل؟ وأي مهنة سيمتهنها؟ وأي البلاد سيسافر إليها؟ وبمن سيتزوج؟ وما هو رزقه؟ وهل سيرزق بأولاد أم لا؟ وهكذا فمن يعلم مثل هذه الأمور غير الله؟ هل يستطيع أحد من البشر أن يدعي هذا العلم؟ لا يستطيع ولكن الله يستطيع ذلك؟ وقد فعل فالله كتب مقادير الخلق وأرزاقهم وآجالهم قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام وهو موجود عنده سبحانه فوق العرش"إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير" [الحج: 70]
هذا غيض من فيض مما تحمله الآية الكريمة من معان.
وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، أي لا تعلم ماذا تكسب في الغد من خير أو شر في دنياها وأخراها.
"وما تدري نفس بأي أرض تموت"من يعلم ساعة موته، متى تكون؟ وأين تكون؟ لا علم لأحد بذلك.
ومن جميل ما قرأت أن ملك الموت مر على نبي الله سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه. فقال الرجل: من هذا؟ قال سليمان عليه السلام: هذا ملك الموت، فقال: كأنه يريدني، وسأل الرجل سليمان عليه السلام أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند ففعل. ثم قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجبًا منه، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند، وهو عندك.
وهذا مصداق ما روى الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما جعل الله ميتَة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة" [1]
أيها الإخوة! ورغم هذه الآيات الصريحة في أن علم الغيب مختص بالله -سبحانه وتعالى- إلا أن هذه الآيات تتعرض لمصادمات صريحة من الكهان والعرافين والدجالين ومن يصدقهم بادعائهم الغيب. [2]
فما هو حكم من عمل بالكهانة والعرافة وما حكم من أتاهم يسألهم؟
(1) المعجم الكبير (1/ 178) ، وقال الهيثمي في المجمع (7/ 196) "ورجاله رجال الصحيح"وفيها:"منية"بدل"ميتة".
(2) الكهانة والعرافة والتنجيم، لصالح الجبري، خطبة من موقع المنبر.