فهرس الكتاب
كان خارجها لا يدخل فيها، لأن هذه أسباب لانتشار المرض والامتناع عنها أخذ بالأسباب الواقية والإقدام عليها إلقاء إلى التهلكة والله يقول:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"- انتبه أيها الحبيب اللبيب - إلا من قوى إيمانه وكمل توكله ووثق قلبه واطمأنت نفسه بقضاء الله وقدره فهذا يقدم على الوباء ويخالط المرض ولا يصاب لأنه متوكل على الله -سبحانه وتعالى-، لكن هذا لا يكون إلا لأهل الإيمان القوي أما أهل الإيمان الضعيف فهؤلاء يبتعدون عن هذه المواقف لئلا يصابوا ثم تسوء عقيدتهم وبالجملة فالأخذ بالأسباب الواقية حسن، وإذا كان هناك مصلحة راجحة فالإقدام أحسن وهذا كله بحسب الأحوال. [1]
قال العلامة الألباني: واعلم أنه لا تعارض لأن المقصود إثبات العدوى وأنها تنتقل بإذن الله تعالى من المريض إلى السليم وأما نفي العدوى فمعناه نفي العدوى التي كان أهل الجاهلية يعتقدونها، وهي انتقالها بنفسها دون النظر إلى مشيئة الله في ذلك كما يرشد إليه قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي:"فمن أعدى الأول؟". فقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم نظر الأعرابي بهذا القول الكريم إلى المسبب الأول ألا وهو الله -عز وجل- ولم ينكر عليه قوله"ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها الأجرب فيجربها"، بل إنه صلى الله عليه وسلم أقره على هذا الذي كان يشاهده، وإنما أنكر عليه وقوفه عند هذا الظاهر فقط بقوله له:"فمن أعدى الأول؟". وجملة القول: أن الحديثين يثبتان العدوى وهي ثابتة تجربة ومشاهدة.
والأحاديث الأخرى لا تنفيها وإنما تنفي عدوى مقرونة بالغفلة عن الله تعالى الخالق لها. وما أشبه اليوم بالبارحة، فإن الأطباء الأوربيين في أشد الغفلة عنه تعالى لشركهم وضلالهم وإيمانهم بالعدوى على الطريقة الجاهلية، فلهؤلاء يقال:"فمن أعدى الأول؟"فأما المؤمن الغافل عن الأخذ بالأسباب، فهو يذكر بها، ويقال له كما في الحديث:"لا يورد الممرض على المصح"أخذًا بالأسباب التي خلقها الله تعالى، وكما في حديث:"وفر من المجذوم فرارك من الأسد". [2]
قال - صلى الله عليه وسلم:"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة"ما معنى ولا هامة؟ كان العرب يتشاءمون بطائر البومة ويقولون: البوم لا يقع إلا على الخراب، ولا يزال من هذا شيء في نفوس بعض الناس في أيامنا هذه فربما تسمع من بعض الناس إذا صوتت بومة يقول لك: سوف يموت واحد بلا شك، لماذا؟ لأن هذه البومة لا تأتي إلا لنعي وهذا بلا شك خطأ.
بل أشنع من هذا فاسمع، كان بعض أهل الجاهلية يزعمون أن القتيل الذي لم يأخذ أهله بثأره فإنه يخرج منه طائر يسمى البومة"الهامة"ويصوت ويقول: اسقوني اسقوني يعني خذوا لي بالثأر! ولا شك أن واضع مثل هذه الأفكار والذي يعمل على بثها وتهييجها إرهابيون دمويون أو انتهازيون مستفيدون وكلاهما يجب الأخذ على أيديهم بشدة،
(1) إعانة المستفيد (2/ 8، 9) .
(2) انظر"السلسلة الصحيحة"2/ 696.