فهرس الكتاب
إن هذه المزاعم الباطلة لتصب في جانب إشباع رغبة الانتقام أو التربح من باب التحريش بين الناس، ولا شك أن هذه عادات جاهلية جاء الإسلام بإبطالها، ولا شك أيضًا أن هذا خطأ فلا شيء من هذا يكون -أيها الإخوة- لأنه لم يعلمنا به ربنا ولم يجعله الله سببًا فهو شرك أصغر بل وفيه شرك أكبر كاعتقاد أن البوم يعلم بموت فلان أو بحاله بعد الموت أو غير ذلك.
ليس في دين الله ما يدل على ذلك أبدًا، ولكن هذه المزاعم إذا عاشت في نفوس الناس كان لها أثر في حياتهم وواقع في علاقاتهم جراء التطير الذي يعلق بالنفس وتسعى هي إلى التشبث به، ومن عجيب ما قرأت مما يمكن أن يندرج ضمن حديثنا هذا ما أخرجه الدارمي بسند حسن عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَهَا زَوْجٌ تَاجِرٌ يَخْتَلِفُ فَكَانَتْ تَرَى رُؤْيَا كُلَّمَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَلَّمَا يَغِيبُ إِلاَّ تَرَكَهَا حَامِلًا فَتَأْتِى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَتَقُولُ: إِنَّ زَوْجِى خَرَجَ تَاجِرًا وَتَرَكَنِى حَامِلًا، فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ سَارِيَةَ بَيْتِى انْكَسَرَتْ وَأَنِّى وَلَدْتُ غُلاَمًا أَعْوَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «خَيْرٌ، يَرْجِعُ زَوْجُكِ عَلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى صَالِحًا، وَتَلِدِينَ غُلاَمًا بَرًّا» . فَكَانَتْ تَرَاهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا كُلُّ ذَلِكَ تَأْتِى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيَقُولُ ذَلِكَ لَهَا، فَيَرْجِعُ زَوْجُهَا وَتَلِدُ غُلاَمًا، فَجَاءَتْ يَوْمًا كَمَا كَانَتْ تَأْتِيهِ وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَائِبٌ، وَقَدْ رَأَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا فَقُلْتُ لَهَا: عَمَّ تَسْأَلِينَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَا أَمَةَ اللَّهِ؟ فَقَالَتْ: رُؤْيَا كُنْتُ أُرَاهَا فَآتِى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَسْأَلُهُ عَنْهَا فَيَقُولُ خَيْرًا فَيَكُونُ كَمَا قَالَ. فَقُلْتُ: فَأَخْبِرِينِى مَا هِىَ. قَالَتْ: حَتَّى يَأْتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَعْرِضَهَا عَلَيْهِ كَمَا كُنْتُ أَعْرِضُ. فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهَا حَتَّى أَخْبَرَتْنِى فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ لَيَمُوتَنَّ زَوْجُكِ وَتَلِدِينَ غُلاَمًا فَاجِرًا، فَقَعَدَتْ تَبْكِى وَقَالَتْ: مَا لِى حِينَ عَرَضْتُ عَلَيْكِ رُؤْيَاىَ؟ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهِىَ تَبْكِى فَقَالَ لَهَا:"مَا لَهَا يَا عَائِشَةُ؟». فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ وَمَا تَأَوَّلْتُ لَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَهْ يَا عَائِشَةُ، إِذَا عَبَرْتُمْ لِلْمُسْلِمِ الرُّؤْيَا فَاعْبُرُوهَا عَلَى خَيْرٍ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا تَكُونُ عَلَى مَا يَعْبُرُهَا صَاحِبُهَا» . فَمَاتَ وَاللَّهِ زَوْجُهَا وَلاَ أُرَاهَا إِلاَّ وَلَدَتْ غُلاَمًا فَاجِرًا. [1] "
فانظر كيف كان النبي يبعد عن الشيء الذي يتطير ويتشاءم به حتى يحفظ على المسلم دينه.
قال - صلى الله عليه وسلم -"ولا صفر"، لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر،"صفر"هو شهر صفر الشهر المعروف من الأشهر العربية وكانوا يتشاءمون به فلا يتزوجون ولا يسافرون ولا يتاجرون ولا يفعلون أي شيء أيامه لأنهم يعتقدون أنه مشئوم.
وقال بعض العلماء: إنهم كانوا يعتقدون بمرض في المعدة يقال له: صفر يُعدي أيضًا فرد عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"ولا صفر".
(1) أخرجه الدارمي 2218.