فهرس الكتاب
يعني إن كان الشهر فليس في الشهر شؤم فالشهور كلها شهور الله وهي ظروف للأعمال كلها النافعة والضارة الخيرة والشريرة وإنما النفع والضر والخير والشر بيد الله، وإن كان المرض فكذلك الأمراض إنما هي بيد الله -سبحانه وتعالى- هو وحده الذي ينزلها وهو الذي يرفعها هو الذي يمرض وهو الذي يشفي ويعافي -سبحانه وتعالى- لا دخل للشهور ولا غيرها في مقادير الله -عز وجل-.
"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء"، وسنفرد الخطبة القادمة بمشيئة الله للحديث عن الأنواء والكواكب ومنازلها وفهم الناس الخاطئ المتعلق بها لنعلم أنه لا دخل للأنواء وهي النجوم في شيء كما كان يعتقد أهل الجاهلية فيها من هبوب الرياح أو نزول الأمطار إلى غير ذلك مما عاب -عز وجل- عليهم فيه بقوله سبحانه:"أفبهذا الحديث - وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون"أي وتجعلون المطر من عند غير الله فتنسبونه إلى الأنواء والنجوم والكواكب والبروج فنفى النبي ذلك بقوله:"ولا نوء"، وسيأتي معنا الحديث عن هذا مشبعًا في الخطبة القادمة إن قدر الله لنا اللقاء والبقاء.
وقال - صلى الله عليه وسلم -"ولا غول": والغول -أيها الإخوة- هو من أعمال الشياطين إذ تتشكل أمام الناس في الأماكن الخالية خصوصًا إذا استوحش الإنسان لتضله عن الطريق وترعبه وكان أهل الجاهلية يرون ذلك في سفرهم إما في شكل نار تنتقل أو أصوات تسمع أو أي شيء تخيفهم الشياطين به ليأسروا قلوبهم ويعلقونها بغير الله إمعانًا في الإضلال لهم حتى صاروا يعتقدون أنها تحدث لهم شرًا وكل على حسب ما يخيفه ومن عجيب ما قرأت بهذا الصدد ما ذكره الحافظ الكبير الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره سورة الجن عند قوله تعالى:"وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا قال أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملًا - يعني صغيرًا - من الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك يعني يا عظيم هذا الوادي أنا مستجيرك انظر إلى الشرك وثب فقال: يا عامر الوادي جارك قال فنادى مناد ولا نراه يقول: يا سرحان وسرحان اسم من أسماء الذئب، قال: يا سرحان أرسله، اترك هذا الحمل الصغير فتركه فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة ولا جرحة قال وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة"وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) " [الجن: 6] ."
قال العلامة الفطن اللبيب الحافظ ابن كثير:"وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل وهو ولد الشاة كان جنيًّا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه ثم رده عليه لما استجار به ليضله ويغويه ويخرجه عن دينه، والله أعلم. [1] "
(1) تفسير ابن كثير - (8/ 240) .