يوافي نعمك وشكرًا يكافئ مزيدك، أقول: مع ذلك -أيها الإخوة- قد ترى من العباد من يجعل هذه النعمة العظيمة جدًّا من فعل غير الله نعم والله وهذا ليس من عندي ولا من عند أبي بل هو قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم -. ففي الصحيحين عن زيد بن خالد - صلى الله عليه وسلم - قال:"صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية. على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال:"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب». [1]
يا الله تصور معي الموقف جيدًا أيها الحبيب اللبيب، حتى تكون على دراية كاملة بالحديث فحتى تعيه لابد أن تعيش الحدث الذي وقع فيه، فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج قاصدًا البيت معتمرًا فتمنعه قريش من دخول مكة فيعسكر النبي بصحبه الأبرار عند الحديبية ويطول الانتظار في مراسلات ومباحثات بين الفريقين وليس مع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ماء وليسوا نازلين على ماء وعددهم كثير فنفد الماء الذي معهم وكاد الناس يموتون عطشًا.
ثم منّ ربك -عز وجل- فبات أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد مطروا في ليلة من الليالي فلما أصبحوا صلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح فلما سلم من صلاته أقبل عليهم بوجهه كما هي السنة فوعظهم - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد الوعاظ فقال مستخدمًا أسلوبًا تعليميًّا تربويًّا فذًّا وهو التعليم عن طريق السؤال والجواب لما يكون فيه من الاستثارة والتشويق والتحفيز للمستمع وكذلك من تثبيت المعلومة في الذهن. قال - صلى الله عليه وسلم:"أتدرون ماذا قال ربكم؟"
واسمحوا لي -أيها الإخوة- بهذه الاستطرادة القصيرة أقول: إن الصحابة لم يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلين وهل يتكلم ربنا؟ مع أنه سؤال بدهى يخطر على أذهاننا الآن، نعم لم يسأل الصحابة رضوان الله عليهم ذلك السؤال لأن الجواب كالسؤال أيضًا بدهي فهم يقرءون في القرآن ليل نهار: وكلم الله موسى تكليمًا و"لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه"و"حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير". كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يتلقون عقيدتهم من القرآن الذي يتلونه ليل نهار وحديث النبي الذي يجلو الآذان والأبصار، لأن العلاقة التي كانت تربطهم بذلك كله هي علاقة الاتعاظ والاعتبار علاقة التفكر والتدبر لا مجرد التنغيم والطرب كما صار حالنا مع القرآن ولا الاهتزاز والترنح كحال بعضنا إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ففي قوله"قال ربكم"إثبات أن الله تكلم، فصفة الكلام ثابتة لله فهو سبحانه يتكلم متى شاء وإذا شاء -سبحانه وتعالى- .. كيف؟ كيف يتكلم ربنا -أيها الإخوة-؟ إن السؤال بكيف سؤال خاطئ، لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله والخلاصة نحن مع صفات الله نعلم المعنى وأما الكيف فنكله ونفوضه إلى الله -عز وجل- ثم قال - صلى الله عليه وسلم - أتدرون ماذا قال ربكم قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:"قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته"
(1) أخرجه مسلم 240.