فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 675

منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه؛ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.

رجحوا حلمًا وخفوا هممًا *** ونشوا سِيدًا وشبوا عُلَما

علموا من أين ينزاح الشقاء، فأزاحوه وعاشوا سعداء.

إنه بلسم الحياة.

وإذا بآخر يحكم عليه بالقتل ويُعلن عليه يحكم عليه، فما يزيد على أن يفتر ثغره عن ابتسامة نابعة من صدر مطمئن هادي، واثق بموعود الله، فيقال له: ما تنتظر؟ قال: أنتظر القدوم على ربي، لقد عملت لهذا المصرع خمسة عشر عامًا، وإني لأرجو الله أن تكون شهادة في سبيله،

فوالله إني أرى مصرعي *** ولكن أمدُّ إليه الخطا.

وتالله هذا ممات الرجال *** فمن رام موتًا شريفًا فذا [1]

وهكذا -أيها الإخوة- سرور وفرحة ورغد ونشوة خير من كل متاع إنها على حد تعبير بعضهم لحظات من الجنة.

فلا ريب أن يكون التعبير عنها بهذا اللفظ:"وجد حلاوة الإيمان"فأثبت النبى - صلى الله عليه وسلم - للإيمان حلاوة، أقول بل أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن للإيمان مذاقًا وطعمًا كذلك ففي الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا". [2]

أيها الإخوة! كيف السبيل إلى وجدان هذه الحلاوة والجواب - كما أوضحه الحديث- بثلاث:

الأول: تقديم محبة الله والرسول - صلى الله عليه وسلم - على ما سواهما يعني أن يقدم العبد أمر الله وأمر رسوله ونواهي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على كل شيء.

الثاني: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، لا من أجل دنيا يصيبها ولا مصلحة يحصلها بل لله وحده محبة خالصة يكتب الله لها الدوام والاتصال ويتصل نعيمها بنعيم الآخرة كما قال -عز وجل-:"إنما المؤمنون إخوة".

(1) بلسم الحياة محاضرة لفضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني.

(2) أخرجه مسلم 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت