فهرس الكتاب
الثالث: أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار.
فأثبت لهم عقد الإيمان والأخوة فلا يحب محبة خالصة إلا المؤمن ولا يكون مؤمنًا حقًّا إلا إذا أحب محبة خالصة فإذا رأيت إيمانًا بلا أخوة فاعلم بأنه إيمان ناقص وإن رأيت أخوة بلا إيمان فاعلم بأنها التقاء مصالح وتبادل منافع وإذا رأيت أخوة الإيمان فتلك التي سمى الله -عز وجل- في كتابه.
بثلاثة أمور يجد العبد طعم الإيمان -أيها الإخوة-: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، و أن يكره الكفر كراهية شديدة كما يكره أن يلقى في النار.
فمن حرص على هذه الأمور الثلاثة فقد حصّل محبة الله تعالى وعلى قدر الطاعة لله وعلى قدر العبادة لله يذوق العبد حلاوة الإيمان وعلى قدر المعصية يفقد هذه الحلاوة حسب زيادة الإيمان ونقصانه فعقيدتنا عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بزيادة الطاعات والصالحات وينقص بالمعاصي والزلات والسيئات، وعلى قدر الإيمان يكون مذاقه وطعمه وحلاوته.
أيها الإخوة! ناجى نبي الله داود ربه فقال:"يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ فقال الله -عز وجل-: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي، فقال داود: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك، قال: يا داود ذكرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي".
ومن جعل السعي إلى مراض الله تعالى وجهه ومقصده كان من أكمل الناس إيمانًا فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله ولا يصل إلا لله ولا يقطع إلا لله روى أبو داود وحسنه الألبانى من حديث أبي أمامة مرفوعًا:"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان". [1]
وروى أحمد وابن جرير عن ابن عباس أنه قال:"من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا. [2] "
(1) أخرجه أبوداود (4681) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (6/ 16/2، 9/ 396) ، والطبراني في الكبير (13537) ، وحسنه الألباني.
(2) أخرجه ابن المبارك في الزهد (353) وأبو نعيم في الحلية 1/ 312، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (396) .