فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 675

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.

أما بعد.

فتعالوا بنا يا أيها الإخوة! نتجول في بستان المحبين نستمتع بأخبارهم ونستنشق عبيرهم عسانا تفوح علينا نفحة من نفحاتهم تبعث فينا الهمة للقيام بمثل قيامهم، فكيف كان حبهم لله ورسوله؟ وكيف كان سعيهم لمرضاته؟ وكيف كان حبهم لإخوانهم، وكيف كان حرصهم على موالاة المؤمنين والبراءة من المشركين؟

فمن هذه المواقف التى لازال التاريخ يحكيها ولا يحاكيها ويمثل بها ولا يمثلها ما سطره البطل ربعي بن عامر بأحرف من نور فقبل معركة القادسية أرسل رستم قائد الفرس إلى المسلمين يطلب رسولا يكلمه، فأرسل إليه سعد بن أبي وقاص ربعي بن عامر، فدخل على رستم وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآليء الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة النفيسة، وقد جلس على سرير من ذهب ..

ودخل الشاب البطل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه ..

فقالوا له: ضع سلاحك ..

فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا، وإلا رجعت ..

فقال رستم: ائذنوا له ..

فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامته ..

فقالوا له: ما جاء بكم ..

فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت