الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد .. فالعنصر الرابع من عناصر اللقاء: فهيا إلى ظلال التوحيد.
قال الله سبحانه آمرًا خير الخلق فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات"."
ولاحظ أيها الحبيب اللبيب فقد أمر الله في هذه الآية بالعلم، ثم أمر بالاستغفار وهو قول وعمل فقدم العلم، على القول والعمل لأن العلم هو المصحح للنية التي يصح بها كل قول وكل عمل.
فلابد من تعلم لا إله إلا الله، ولابد بعد التعلم من السعي والعمل بها في واقع الحياة، فما هو معنى لا إله إلا الله ـ أيها الإخوة ـ لا إله إلا الله معناها لا معبود بحق إلا الله، فكل المعبودات التي يعبدها الناس باطلة إلا عبادة الله فهي حق، وكل عبادة يتعبدها المرء هي شرك إلا عبادة الله فهي توحيد.
هذا هو معنى لا إله إلا الله ومدلولها الذي تدل عليه، والذي ينبغي أن يكون في قلب كل موحد؛ لأن المصطفى - صلى الله عليه وسلم- قال:"من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة [1] ، والحديث أخرجه مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه، فيجب علينا أن نعلم أن لا إله إلا الله معناها إثبات التوحيد لله ونفي الألوهية عن غيره، فلا إله إلا الله، لابد وأن تستيقن القلوب بهذا ويستقر في القلب اليقين بذلك ولا يتزعزع فإن الله عاب أقوامًا في دينهم حين ترددوا فيه ولم يستيقنوا به بل نفى عنهم الإيمان بالكلية قال -تعالى-:"إِنَّمَايَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ" [التوبة: 45] "
في حين نسمع قول الله -تعالى-:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" [الحجرات: 15] ، فاشترط الله في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا أي لم يشكوا، وفي الصحيح عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فِى مَسِيرٍ - قَالَ - فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ قَالَ حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ - قَالَ - فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِىَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهَا. قَالَ فَفَعَلَ - قَالَ - فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ - قَالَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ - قُلْتُ وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى قَالَ كَانُوا يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ. قَالَ فَدَعَا عَلَيْهَا - قَالَ - حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ
(1) أخرجه مسلم 145.