فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 675

أَزْوِدَتَهُمْ - قَالَ - فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ لاَ يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . [1] وهذا ـ أيها الإخوة ـ هو اليقين.

فإذا تعلم المرء معنى لا إله إلا الله واستيقن قلبه به وصدقه تصديقًا لا يتزعزع ولا يضطرب ولا تؤثر فيه الهواجس وجب عليه أن يقبل كلمة التوحيد بكل ما تتضمنه من الأوامر والنواهي والحدود، وهو في غاية الحب لله والرضا عنه جل في علاه، وجب عليه أن يدخل تحت ظلها وأن يستجيب لأمرها ونهيها، ولا يكون كمن قال الله فيهم:"إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ" [الصافات: 35] ومعنى ذلك أن يخضع للأوامر والنواهي وأن يقف عند حدود الشريعة، قال سبحانه:"ومن يسلم وجهه لله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى"، ومن يسلم وجهه"إلى الله"أي ينقاد ويخضع ويسلم لله جل وعلا، وهو محسن أي وهو موحد لله،"فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى"وهي لا إله إلا الله، فعلى الموحد بعد أن ردد كلمة التوحيد بلسانه واعتقد معناها بقلبه، أن تبدأ جوارحه في طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهذا هو المحك الفعلي الحقيقي الذي يظهر معه المؤمن من المنافق والصادق من الكاذب والمدعي بحق من المبطل.

والموحد يمثل أوامر الله ونواهيه ويقف عند حدود الله ولايتعداها ليوافق الظاهر الباطن فيثمر بذور الصدق فيكتب صاحبه من المفلحين كما في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِىُّ صَوْتِهِ، وَلاَ يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - - صلى الله عليه وسلم -"خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ قَالَ «لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» . قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ «لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» . قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». [2] "

ويبقى -أيها الإخوة- أن ذلك كله لا يقبل إلا عن ركنين رئيسين لابد من الإتيان بهما ألا وهما الإخلاص لله والاتباع لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يُقبل التوحيدُ بل حتى يُقبل العملُ كله، فلابد من الإخلاص في التوحيد، قال الله -تعالى-:"وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ"، والإخلاص في التوحيد معناه تصفيته من جميع شوائب الشرك، لأن المشرك يُرَدُّ عليه عمله قال الله -تعالى- في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال الله -تبارك وتعالى-:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك من"

(1) أخرجه مسلم 147.

(2) أخرجه البخاري 46، ومسلم 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت