فهرس الكتاب
قِمَمُُ شمَّاء .. مُثُل عُليا وقدوات طيبة .. والله لو رأى الأعداء من أهل العقيدة الاستعلاء والعزة لأتوا إليهم في غاية الذلة والصغار ولكنهم رأو أهل الإسلام في غاية المهانة والذلة والصغار فأذلوهم وساموهم سوء العذاب.
قال ملك الروم: هل تُقَبِّل رأسي وأعفو عنك؟!
قال عبد الله: أُقَبِّلُ رأسك بشرط أن تعفو عنى وعن جميع أسرى المسلمين.
فقال ملك الروم أفعل: .. فقام عبد الله بن حذافة فقبَّل رأس ملك الروم فعفى عنه وعن جميع أسرى المسلمين وانطلق عبد الله بالأسرى إلى المدينة فقابلهم فاروق الأمة عمر، فلما علم عمر بالأمر قال رضى الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أولكم .. فقام عمر فقبَّل رأس عبد الله وقام أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم جميعًا". [1] "
ولا أملك أمام هذه المثل التى تتألق روعة وسموًا وجلالًا وعظمة إلا أن أتلو هذه الآية من كتاب ربنا"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) [الممتحنة: 6] "
أيها الإخوة! إن المحبة هى أصل الأصول وهى قاعدة القواعد فالمحبة هي حقيقة العبودية وإنما تمكن الأعمال الأخرى من الحمد والشكر والخوف والرجاء والصبر والزهد والحياء والفقر والشوق والإنابة باستمرار المحبة في القلوب وهي حقيقة الإخلاص بل هي حقيقة شهادة لا إله إلا الله.
ورحم الله ابن القيم إذ يقول:"إذا غرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت أنواع الثمار وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب وفرعها متصل بسدرة المنتهى".
وقال شيخ الإسلام وتلميذه -رحمهما الله-: إن القلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يُسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده، ومحبته والإنابة إليه، فلو حصل على كل ما يتلذذ به المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي، واضطرار وحاجة إلى ربه معبوده محبوبه مطلوبه بالفطرة، لا يسعد ولا يطمئن ولا يَقِرُّ إلا بالإيمان بالله رب العالمين، فمن قرَّت عينه بالله قرَّت به كل عين، ومن لم تقِر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، وإنما يصدِّق هذا من في قلبه حياة. فوا أسفاه، وا حسرتاه، كيف ينقضي الزمان وينفد العمر، والقلب محجوب، ما شم لهذا البلسم رائحة؟ وخرج من الدنيا كما دخل فيها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل
(1) قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تخريجه لسير أعلام النبلاء (14/ 2) : أخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق البيهقى، وكذا الحافظ في الإصابة، وله شاهد من حديث ابن عباس، موصولا عند ابن عساكر، وابن الأثير في أسد الغابة (3/ 212) .