فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 675

فأعيروني القلوب والأسماع -أيها الإخوة- والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا ممن أوتي بصيرة فصار له سراج يضيء له الظلمات، حتى نصل إلى الأمن والأمان في الدنيا والآخرة، محفوظين بعين الله التي لا تنام، مكلوئين بكلئه الذي لا يرام ولا يضام.

أحبتي ما هو الخوف؟ في الحقيقة أفاض أهل العلم في تعريف الخوف وتنوعت في التعبير عنه أقوالهم فكثرت وأجمع ما قيل في تعريفه: أنه وصف قائم بالقلب يؤدي إلى فعل الأوامر وترك النواهي، وقد تفنن العباد والزهاد والعلماء في تعريف الخوف على حسب ما ذاقه كل واحد منهم فمنهم من قال: الخوف هو توقع العقوبة على مجاري الأنفاس.

ومنهم من قال: الخوف هو سراج القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله -عز وجل- إنك إن خفته هربت إليه فالخائف من ربه هارب إليه ومن ثم قال الله تعالى:"ففروا إلى الله".

إلى آخر هذه الأقوال التى تدل على نزول القوم بهذا المنزل في مسيرهم وحلول تلك الدرجة في سلوكهم جعلنا الله واياكم من السائرين السالكين على الصراط المستقيم إلى رب العالمين.

والخوف من الله -عز وجل- -أيها الإخوة- منزلة من أجلّ منازل العبودية وأنفعها وهي فرض وواجب على كل أحد بنص قول الله تعالى:"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين"فقوله -عز وجل-"وخافون"فيه الأمر بوجوب إخلاص الخوف لله تعالى قال الإمام الشوكاني -رحمه الله- في معنى الخوف من الله -سبحانه وتعالى-:"أي فافعلوا ما آمركم به واتركوا ما أنهاكم عنه، لأني الحقيق بالخوف مني والمراقبة لأمري ونهيي لكون الخير والشر بيدي". [1]

يقول العلماء: وقوله تعالى:"فلا تخافوهم"نهي عن خشية غير الله وتمحيض الخوف منه وحده ففيها دلالة على وجوب تجريد الخوف لله -جل وعلا- وألا يخشى غير الله كخشيته -عز وجل- وكان الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون والعلماء يذكرون منزلة الخوف ويعظمونها ويرون وجوب تمحيضها لله تعالى ومن ثم عظم لهم من الله المدح والثناء وكذلك عظمت العاقبة والجزاء فمن المدح والثناء قوله سبحانه:"مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) [التوبة: 17 - 19] [2] "

ومن بيان العاقبة والجزاء قوله تعالى:"ولمن خاف مقام ربه جنتان".

(1) فتح القدير (1/ 400)

(2) تعليقات على القول المفيد للشيخ عبدالرحمن المحمود نقلًا عن عون العلى الحميد (2/ 97)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت