قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-:"ولمن خاف مقام ربه بين يدي الله -عز وجل- يوم القيامة ونهى النفس عن الهوى ولم يطغ ولا آثر الحياة الدنيا وعلم أن الآخرة خير وأبقى فأدى فرائض الله واجتنب محارمه فله يوم القيامة عند ربه جنتان كما في الحديث الذي أخرجه الجماعة من حديث عبد الله بن منيس -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم -عز وجل- إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن. [1] "
وما أجمل التعبير القرآني الرائق الراقي"ولمن خاف مقام ربه جنتان ذواتا أفنان"فوصف الله -عز وجل- هاتين الجنتين بأنهما ذواتا أفنان أي ذواتا أغصان نضرة حسنة تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة وقال عطاء في معنى أفنان أغصان الشجرة يمس بعضها بعضًا وقيل أيضًا: ذواتا أفنان أي فيهما فنون من الملاذ والطيبات نعم ففي الجنة جميع أنواع الثمار مما يعلم الناس ومما لا يعلمون وخيرًا مما يعلمون مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويكفي أن نعلم أن الله لما قص علينا ما في الجنة ضرب لنا به المثل فقط فقال مثل الجنة وذلك لكي نتصور شيئًا عنها وإلا فهو مثل والحقيقة فوق ذلك ومن أجمل ما قال العلماء في ذلك ما قاله حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقد قال: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء يعني بذلك أن بين ذلك بونًا عظيمًا وفرقًا بينًا في التفاضل.
والسؤال الآن -أيها الإخوة- .. كل هذا لمن؟ والجواب هو لمن خاف الله تعالى وسكن خوف الله وحده في قلبه ولذلك عظم سلفنا الخوف من الله تعظيمًا شديدًا ورفعوا من مكانته.
قال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها.
وقال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب.
وقال ذو النون: الناس على الطريق - أي طريق السلامة والاستقامة والوصول إلى الجنة دار الكرامة والمقامة - ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال الخوف ضلوا الطريق.
وليس الخوف كله ممدوحًا محمودًا فهناك خوف ذمه الشرع هناك أقسام للخوف فليس الخوف كله رتبة واحدة فهناك خوف محمود وخوف مذموم.
أما الخوف المحمود فهو الخوف الصادق وهو ما حال بينك وبين محارم الله تعالى وهذه هي الوسطية في الخوف فإنه إذا تجاوز ذلك خيف اليأس والقنوط وإن قل عن ذلك خيف الركون والتواكل.
(1) تفسير ابن كثير - (7/ 501) ، والحديث أخرجه الجماعة: البخاري (4878) ومسلم (180) والترمذي (2528) والنسائي في الكبرى (7765) وابن ماجه (186) .