فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 675

والحق أن يلزم العبد الوسطية في الخوف وهو الخوف الذي يحجزه عن محارم الله ويمنعه عنها، قال أبو عثمان الحيري: صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله.

ومن أقسام هذا الخوف خوف واجب وخوف مستحب: فالخوف الواجب هو ما حمل على فعل الواجبات وترك المحرمات والخوف المستحب هو ما حمل على فعل المستحبات وترك المكروهات.

ومن أقسام هذا الخوف خوف التألة أو السر: فخوف التأله والتعبد والتقرب هو الذي يزجر صاحبه عن معصية الله الذي يخافه خشية من أن يصيبه بما شاء من فقر أو قتل أو غضب أو سلب نعمة ونحو ذلك بقدرته ومشيئته كما قال الإمام المبارك عبد الله بن المبارك:

إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم

وصنها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم

وهذا النوع من الخوف من أهم أنواع العبادة القلبية التي يجب إخلاصها لله -سبحانه وتعالى- وهذا النوع لا يجوز صرفه لغير الله -عز وجل- وصرفه له سبحانه يعد من أجلّ العبادات ومن أعظم القربات وهو ركن من أركان العبادة ومن خشى الله -عز وجل- على هذا الوجه فهو مخلص موحد له عند الله أعظم الجزاء.

ولذلك -أيها الإخوة- تعهد الله لصاحب هذا النوع من الخوف أن لا تمسه النار أبدًا فقد قال - صلى الله عليه وسلم:"عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله [1] وصاحبها ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"كما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [2] "

وتكفل الله لصاحب هذا الخوف أن يغفر له ما بعده بفضل هذه الخشية وهذا الخوف كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِى ثُمَّ اسْحَقُونِى ثُمَّ اذْرُونِى فِى الرِّيحِ فِى الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ

(1) سنن الترمذي برقم (1639) ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1229.

(2) أخرجه البخاري (660، 1423) ، ومسلم (1031) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت