قَدَرَ عَلَىَّ رَبِّى لَيُعَذِّبُنِى عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا. قَالَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ فَقَالَ لِلأَرْضِ أَدِّى مَا أَخَذْتِ. فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ لَهُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ فَقَالَ خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ - أَوْ قَالَ - مَخَافَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ». [1]
كتب عمرو بن العاص وكان أميرًا على مصر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن نهر النيل يفيض على الناس فيهدم البيوت، فكتب عمر رسالة من عمر بن الخطاب إلى نهر النيل في مصر .. أما بعد، فإن كنت تجري بأمرك فاجر كما شئت، وإن كنت تجري بأمر الله فتوقف!! ثم أمر عمرو بن العاص أن يلقيها في النيل، فلما ألقاها توقف في الحال عن الفيضان، هؤلاء أناس حكموا بأمر الله فطوع الله لهم كل شيء فيا له من مرتقى ارتقى إليه أهل هذه العبادة ولم لا؟ وقد عملوا بخوفهم من الله -عز وجل- الذي منه فعل ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه، لمعرفتهم أنه سبحانه هو وحده الحقيق بالخوف منه -تبارك وتعالى- والمراقبة لأمره ونهيه، لكون الخير والشر بيده سبحانه فهذا حال من حفظ هذا النوع من الخوف ولم يضيعه، وأما من ضيعه فصرفه لغير الله فقد أشرك شركًا أكبر، إذ جعل لله ندًّا في الخوف وذلك كحال المشركين الذين يعتقدون في آلهتهم ذلك الاعتقاد ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن كما قال قوم هود لهود عليه السلام الذين ذكر الله -عز وجل- عنهم أنهم خوفوا هودًا بآلهتهم فقالوا:"إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء"إلا أن أهل التوحيد الكامل وإخلاص الخوف وتمحيضه لله -عز وجل- وحده أعلنوها صريحة مدوية بأنهم لا يخافون إلا الله ولا يخشون إلا الله تعالى وإمامهم إبراهيم عليه السلام قدوة المحققين وسيد الموحدين يقول كما حكى الله -عز وجل- عنه:"وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) [الأنعام: 80 - 82] ."
فالخائفون من الله في الدنيا هم أهل الأمن في الدنيا والآخرة وهم أهل الهداية والاهتداء في الدنيا والآخرة كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية وغيره من حديث شداد بن أوس وسند حسن كما في الصحيحة وصحيح الجامع أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي ولمن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي". [2] فهذا أحبتي هو خوف التأله خوف التعبد خوف التقرب خوف السر الذي به يرضى الله عن عباده ويدخل تحت هذا أيضًا الخوف من وعيد الله الذي توعد به العصاة وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان."
(1) أخرجه مسلم 7157.
(2) أخرجه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني انظر حديث رقم: 4332 في صحيح الجامع.