وهناك خوف على الضد من هذا تمامًا فإن كان هذا الخوف الذي تحدثنا عنه تعبدي يتقرب به العباد إلى الله وتكون لأصحابه المنزلة العالية والمكانة السامية عند ربهم -تبارك وتعالى- فإن هذا النوع من الخوف الذي ابتدئ لحضراتكم الحديث فيه خوف يبعد عن الله خوف يورث غضبه وعقابه، خوف يضيع لا أقول منزلة العبد عند ربه، بل يضيع العبد نفسه ويورثه الهلاك ويورده النار وبئس القرار، وهذا الخوف -أيها الإخوة- هو ما يسميه العلماء الخوف الشركي وهل هناك شرك في الخوف؟ نعم ألم أقل لحضراتكم إن الخوف من الله الجليل ركن من أركان العبادة وهو منزلة رفيعة من أجل منازلها؟ فهناك من العباد من لا يمحض الخوف لله تعالى وحده بل يشرك فيه مع الله غيره فربما خاف العبيد أكثر مما يخاف العزيز الحميد، من الناس من يخاف من غير الله أن يصيبه ذلك الغير بمكروه وسوء وهو لا يدري أو يدري ولكنه لا يوقن أن الضرر والنفع والشر والخير إنما هو بيد الملك -سبحانه وتعالى- وحده إن شاء أن ينفعه نفعه ولو منع ذلك عنه أهل الأرض جميعًا، وإن شاء أن يضره ضره ولو منع ذلك عنه أهل الأرض جميعًا فما شاءه الله كان وما لم يشأه لم يكن، كما قال نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم:"احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». [1] "
فإذا كان هذا الخوف في قلب عبد من غير الله يخاف أن يقطع رزقه أو ينقصه عمره أو يحرمه نفعًا فقد أشرك هذا العبد مع الله تعالى، لأن هذا كله من خصائصه سبحانه نعم .. فكل من سواه وكافة من عداه لا يملكون لأحد نفعًا ولا ضرًّا، لنوقن بهذا أحبتي ولننعم بذلك عينًا سواء كان هذا الواحد من الإنس أو الجن وسواء كان ملكًا أو نبيًّا وسواء كان حيًّا أو ميتأً، فهناك من المسملين ولا حول ولا قوة إلا بالله من أشرك في باب الخوف وجعل لله ندًّا في هذه العبادة العظيمة.
نعم .. انتشر هذا الأمر في كثير من المسلمين فمنهم الذين يعتقدون في الأولياء أو الجن أو الطواغيت الضرر والنفع من دون الله جل جلاله فصاروا يخافون منهم ويصرفون لهم كثيرًا من العبادات بناء على ذلك الخوف.
"ومن هؤلاء الذين أشركوا مع الله -عز وجل- في جانب الخوف غلاة المتصوفة الذين غالوا في المشايخ والأولياء حتى اعتقدوا أن لهم التصرف في الكون والحياة، واعتقدوا فيهم القدرة المطلقة والعلم المحيط والعصمة من الزلل، وبالتالي خافوهم كما يخافون الله أو أكثر، ونسجوا في كتبهم كثيرًا من القصص والروايات والأساطير المكذوبة حول قدرتهم"
(1) أخرجه الترمذي، 1516، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 2648، وفي ظلال الجنة 315 - 318.