على نفع أو ضر غيرهم متى شاءوا، وروَّجوا لذلك بغرض حمل الناس على الخضوع لهم وتمكينهم من أموالهم وما يشاءون دون اعتراض، وإلا فالهلاك لمن يشك في ذلك [1] .
وممن وقع في هذا النوع من الشرك طائفة العلمانيين والمستغربين من الحكام والمثقفين .. وغيرهم ممن عظم في قلوبهم الخوف من الغرب أو النظام العالمي الجديد أو أمريكا أو غيرها من دول الكفر إلى درجة أنهم أشركوا فيها هؤلاء من دون الله - -عز وجل- -، وظنوا أن أمريكا والغرب لا رادَّ لقدرتهم ولا يقدر أحد على مقاومتهم، وأنهم أصبحوا الموجهين للعالم، فلابد من طاعتهم وخوفوا الناس منهم، كما قال سبحانه عن أسلافهم من المنافقين: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر:36] ، وقال: {إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175] .
ونتيجة هذا الخوف فقد أطاعوهم في كل ما يأمرون وينهون، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال ونبذوا شريعة الله، واستبدلوها بأحكام هؤلاء الكفرة وعادوا أولياء الله -عز وجل- وقربوا أعداءه، وهذا كله بناءً على خوفهم لهم من دون الله -عز وجل- [2]
فلا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلا، وخذ بأيديهم إليك أخذ الكرام عليك، فلا يجوز أبدًا -أيها الإخوة- أن نخاف من غير الله تعالى كل هذا الخوف ولا أن نجعل الخوف من بطشه كخوفنا من الله فنرضى أن نتنازل عن ديننا وعقيدتنا وعن فعل الخير حتى لا نقع تحت البطش والتهديد والخوف زاعمين أنا بذلك ننجو من البطش ونهرب ونحن بذلك نضحك على أنفسنا نكذب ونصدقها ولا نسألها أفإن تركنا ذلك الدين والعمل له وتركنا الالتزام والخير والعمل به ونجونا من البطش أفننجوا من عذاب الله الذي عصينا أوامره والجواب بلا شك واضح نهرب من عذاب بشر ولكننا لن نهرب من عذاب رب البشر ولذلك جاء التعبير القرآني رائعًا في قوله تعالى:"ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله".
إن عذاب الله -عز وجل- يصد العبد أن يعصيه فكلما تذكر العبد أنه منهي عن المعصية فإن فعلها عوقب بعقاب من الله صده ذلك عن اقتراف المعصية، فإذا جعل ما يصيبه من أذى في طريق الله صادًّا له عن الطاعة فيتركها بسبب هذا الأذى ويفعل المعصية خوف الأذية فهو بذلك قد جعل فتنة الناس كعذاب الله فسوى بين الله وبين عباده ففي هذه الآية -أيها الإخوة- أنه لا يجوز أن يخشى العبد الناس ويخافهم مهما عظمت البلية ومهما كثرت الفتن والمصائب وكل على قدر إيمانه كما نوضح ذلك إن شاء الله، الآن ونحن نتحدث عن طرق الخوف من الله وكيف يغرس المرء
(1) ينظر روايات المتصوفة في هذا الشأن:"طبقات الشافعية"للسبكي (9/ 211، 410) ، و"الكواكب الدرية"للمناوي (1/ 13، 66) ، و"جامع كرامات الأولياء"للنبهاني (2/ 244 - 275) ، و"الطبقات الكبرى"للشعراني (5/ 88، 106) .
(2) الشرك بالله 496، وما بعدها، نقلًا عن عون العلي الحميد (2/ 95، 96) .