اليقين بالله في قلبه وانتبه أيها الحبيب إلى هذه اللطيفة في الآية فإن الله تعالى سمى بطش البشر وتعذيبهم فتنة فالناس لا يملكون إلا الفتنة وأما عمل الله -عز وجل- وفعله فسماه عذابًا فأيهما ينبغي أن يخاف العبد؟ ثم إن تسميتها فتنة أي اختبار وامتحان وابتلاء إشارة إلى أنها من الله -عز وجل- أجراها على يد هؤلاء ليبتلي عبده المؤمن بهذا، فهي أيضًا من الله لم تخرج عن فعله وإرادته ومشيئته -سبحانه وتعالى- فمم الخوف؟! فليتيقن القلب بأن الله لا يسلم أولياءه لأعدائه أبدًا وإنما هو الامتحان والابتلاء والفتنة، فلا يقدم الإنسان التنازلات سريعًا فإنه من ضعف الإيمان واليقين أن ترضى الناس بسخط الله وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك إلا الله، حبيبي إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره وإن عذاب الله لا يدفعه التجاء أو احتماء بغيره أبدًا.
وما أجمل الكلمات التي تحدث فيها شيخ الإسلام عن اليقين وتتضمن القيام بالطاعة والأوامر والبعد عن المعاصي والنواهي فلنصغ إليه ونلقي الأسماع بين يديه.
قال شيخ الإسلام:"إن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله؛ لم تكن موقنا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميلٌ إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد في الدنيا والآخرة؛ فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم، ورجاءًا لهم، وذلك من ضعف اليقين" [1] .
ولذلك جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من التمس رضى الله بسخط الناس -رضي الله عنه- وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضي الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» [2] والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه بسند صحيح."
سبحان الله! كان يسعى إلى رضاء الناس ففقده وقبل ذلك فقد رضا الله فخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، فماذا كسب من خسر الله؟ أما من أرضى الله بسخط الناس فإن الله يرضى عنه ويُرضي عنه الناس أيضًا.
ففي هذا الحديث وجوب تجريد الخوف من الله -عز وجل- وضرورة وجوب تقديم رضا الله على رضا المخلوق والوعيد لمن خاف الناس فآثرهم على رضا الله -جل وعلا- فهو من ضعف الإيمان ومن علامات وموجبات نقصانه ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) مجموع الفتاوى: 1/ 51.
(2) أخرجه ابن حبان 1/ 247، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2250.