فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 675

والخلاصة مما مر -أيها الإخوة- وهي النتيجة التي لابد أن نخرج بها من هذا اللقاء أن نخاف الله ولا نخشى سواه وأن نحقق ذلك عمليًّا لا قولًا ولفظًا فحسب، وأن ندأب على توقيع هذا المعنى في نفوسنا ونروضها عليه حتى يستقيم لها ذلك على الطبيعة، والآن بعد أن تبينا الخوف الذي هو عبادة لله، والخوف الذي هو شرك بالله، لا زلت وأنا أتحدث ألمح سؤالًا يراود الأذهان ويداعب الأفهام يكاد يسرع إلى اللسان ليقول: لكن الخوف شيء جبليّ فطر عليه العبد وجبل عليه الإنسان وخلق عليه المخلوق أفيعاب على الإنسان أن يخاف مما يعلم أنه يصيبه بالضر؟ إننا ولابد نخاف من السباع بل من الكلاب ونخاف من الحيات والثعابين بل هناك من يخاف من الصراصير والفئران فهل هذا حرام علينا؟ لطفك لا تقول نعم فأنت أيضا يا شيخ من بعض هذا تخاف.

وأقول: نعم .. ولا عيب ولا شين في هذا لا علي ولا عليكم -أيها الإخوة- فإن الله تعالى ما كلفنا أبدًا أن نخرج ذلك الخوف من قلوبنا فهذا لا يذم وكيف يذم وقد قال الله في حق نبي مرسل من أولي العزم هو موسى عليه السلام:"فخرج منها خائفًا يترقب"وقال:"فأوجس في نفسه خيفة موسى"فهذا خوف طبيعي لا يذم بل ربما يحمد إذا ساعد وحمل صاحبه على أخذ الأهبة والاستعداد لكنه - وتشاركوني الرأي في هذا- يذم إذا كان حاملًا على الجبن والخور والانهزام وترك الإقدام، وهناك أيضًا الخوف الوهمي من شيئ لا وجود له أو شيء ضعيف واه لا يكاد يكون سببًا لخوف وهذا أيضًا خور وضعف وجبن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بالله منه صباح مساء فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل". [1] فهو بهذا من الأخلاق الرذيلة التي يجدر بالمسلم أن يترفع عنها لكن من غلبته طبيعته فلم يستطع أن يخرج ذلك من نفسه فلا يأثم ولا يذم، لكن أن يداهن المرء في دينه خشية أن يقول الناس متشدد أو غير حضاري فهذا غدًا يقول له رب العالمين إياي كنت أحق أن تخشى."

ويذكر هذا بما"حدث في لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب فقد جرى كلام حول استصدار قرار بإلغاء مهرجانات السينما لما فيها من عري وفساد وما لها من تأثير على دين الناس، فاستنكر ذلك صاحب أخبار الناس بجريدة الأخبار، ويبدو أن استنكاره كان موجها لرئيس اللجنة، فسارع رئيس لجنة الشؤون الدينية الذي يحمل درجة الدكتوراه لينفي اللوم عنه وعن جميع أعضاء اللجنة، ولو مجرد التفكير في هذا القرار فقال ردا على المقال: عزيزي محرر صفحة أخبار الناس، بخصوص مقالتك الخاصة بإلغاء مهرجانات السينما في مصر إن الأمر لم يتعد رأيا من الضيوف الذين يحضرون اجتماعات اللجنة، ولم يؤيده أحد من الأعضاء، وبالتالي لم يصدر به قرار".

فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إذ يقول:"والسعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله".

(1) أخرجه البخاري 2822.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت